تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أعادت الجليلة التساؤل: وحدك؟ - لا، بل أنا ورجالي الذين سأعيد اختيارهم هذه المرة بكل حذر.

من جديد قاربته الجليلة فزعة مما يحدث: لكنك تعرف يا كليب أكثر من غيرك، بمدى الخطر الكبير الذي لا مهرب منه، فالتبع لا ينام الليل بحثا عنك، ورجاله وعيونه وبصاصوه أصبحوا لا يتركون شبرا في الأرض بحثا عنك، وعن رجالك.

ابتعدت الجليلة قليلا عنه مختطفة حقيبة صغيرة من أحد الأركان، مخرجة مجموعة من الأوراق - الجلدية - دفعت بها إلى كليب؛ قائلة: وهذا ما توصل إليه رجالنا، وعاد إلى به رسلي من داخل القصر الحاكم ذاته، ولك أن تتصور بنفسك عقب قراءة كل هذه المدونات، مدى ما وصل إليه جنونه للإمساك بك.

تناول كليب لفة المخطوطات التي دفعت بها الجليلة بنت مرة إليه ليدفع بها بدوره إلى أحد حرسه و«ناطورجيته» الذي تناولها متعجلا جاريا معاودا حراسته وتطلعه عبر جهات الأفق الأربع، معتليا أعلى ربوة مشرفة على مكان لقائمها في تلك الليلة التي غاب قمرها.

كانا يجلسان على شاطئ البحر، داخل كشك تحيط به حديقة قصيرة الشجر، على ربوة عالية مشرفة على البحر الهادر المتلاطم الذي تحده في شبه قوس مراكب الملك الغازي حسان على طول مرمى البصر ومن الجهات كافة، وجرى لقاء كليب والجليلة بأقصى درجات «الحيطة والسرية» بعيدا عن عيون الملك، وبصاصيه المندسين في كل شق، بحثا - وقبل كل شيء - عن كليب، بعد صلب التبع حسان لوالده الأمير ربيعة على بوابات «أمية» عاريا مقلوب الرأس رغم أنه كان نصف ضرير.

كما تم اللقاء بينهما في أقاصي فلسطين، في مدينة عكا بالذات التي قدمت إليها الجليلة سرا متخفية ممتطية حمارا. - أنساك؟

واجهته بسؤالها هذا في مكمنه وهي تركز أنظارها على فروة رأسه وشعره المجعد الأسود المسترسل على حلقات حول وجهه المتوقد بذلك الذكاء المشع والطافح بعلامات الجمال والرجولة التي لا يكل منها أي نظر.

عادت الجليلة تنقل نظرها بين كليب وبين سفن التبع الراسية في البحر بأضوائها المنعكسة على صفحة المياه؛ نتيجة النيران التي أوقدها بحارتها التي طاول بعضها عنان السماء في ليلة الصيف تلك؛ كي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، فبدت انعكاسات اللهب أشبه بمليون أفعى مجنونة تلهب ظهر البحر بسياط من ضوء.

وعادت الجليلة تسأل: أنساك يا محفوظ «أحد ألقابه الكثيرة»، كيف؟

ولن أزورك حتى هنا في عكا؟ - لن تجديني في عكا، بعد الليلة. - سيظل قلبي معك أينما كنت. - ولكن هكذا سنقتل معا إن لم يكن اليوم فغدا.

فوجئت الجليلة بذلك كمن تستيقظ من حبها وسباتها؛ متسائلة: نقتل؟

قاربها كليب إلى أن احتوى وجهها المعبر اليقظ بين كفيه الدافئتين: جليلة لا تخافي، وبإيجاز دعيني أكرر لك انسي من الآن ما بيننا.

انفلتت من بين يديه جارية نحو الماء، وهي في حالة من الذعر الكامل كمن يعاني من نزيف حاد جاء على حين غرة. - معنى ذلك أنك ستلقي بي في أحضان ذلك التبع لأصبح ضمن حريمه ونسائه وخصيانه، أليس كذلك يا محفوظ؟

1

اندفع إليها كليب مقاربا موضحا، وقد عرف قصدها وما يعتريها من اضطراب وسوء فهم. - الأول نخلص بأقل خسائر من ذلك الطاغية، حسان.

واجهته: وبعدها؟ - نحكم هذا العالم معا، يا جليلتي.

تطلعت الجليلة ببصرها نحو البحر الهادر والأفق الرحب وهي تشعر بحب غامر وشوق عارم نحو ابن عمها كليب وكأنها في تيه حقيقي.

فلقد كانت الجليلة بنت مرة تجمع بين دفتي شخصيتها إلى جانب ذلك الجمال الأنثوي الباهر، المجلل باتساع المعرفة فيما أنشدته وعرف عنها من أشعار ومعلقات، انتشرت إيقاعاتها بين جموع البشر وبكل ما عرف عنها من رصانة أقواها ومنظوماتها:

يا ابنة الأقوام إن لمت فلا

تعجلي باللوم حتى تسألي

فإذا أنت تبينت الذي

يوجب اللوم فلومي وأعدلي

وإذا أخت امرئ ليمت على

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٢٥