شقق منها عليه فافعلي
لم تكن لطموحات الجليلة بنت مرة حدود تقف عندها؛ لذا آثرت الاكتفاء بما قاله كليب لها؛ حيث اعتبرته نوعا من الضمانة التي بموجبها ستواصل مسيرتها المحفوفة بالأخطار؛ كي تنفذ غاياتها كافة والتي منها الاستحواذ على سلطة ذلك التبع الطاغية.
أما كليب المنكوب في مصرع أبيه أمير بني ربيعة والفار من وجه سلطة الطاغية فهو بالطبع الأكثر حيلة ودهاء، وبالتالي مناورته للخلاص من نير الظلم الذي حل بربوع هذه البلاد، بجبالها ووهادها وبحارها، إثر الغزوة الضارية المفاجئة التي حلت مثل كابوس ثقيل لا قبل لأحد به، وهما على مشارف الأسابيع الأخيرة لعرسهما وزواجهما الذي كان قد طال أجله.
وهو الزواج الذي تعاهد عليه القومان - بني مرة في لبنان، وبني ربيعة في فلسطين - ليكون آخر المطاف ونهاية لتلك الحروب والمنازلات والغزوات التي كانت مستعرة بينهما، لسنوات طويلة سوداء، عانى منها الفريقان الأمرين.
أما ما غاب عن أذهان الجميع ، خاصة والديهما - ربيعة ومرة - حين تعاهدا على ذلك الزواج - السياسي - هو حكاية حبهما الجارف معا الذي ولد معهما - الجليلة وكليب - منذ مطلع شبابهما، على مشارف بيروت، ووهاد صور، ومروج البقاع؛ حيث كان يتم لقاؤهما معا، وكأنهما بهذا إنما يتحديان تلك الحروب والمناوشات والغزوات الملفقة بين قوميهما.
إلى أن حانت مناسبة الاتفاق على زواجهما فضحكا معا طويلا، بل إن كليبا داعب والده وشيوخ قبائله في البداية برفضه ذلك الزواج المصطنع؛ إذ كيف له الرضوخ وتقبل الزواج من فتاة - بيروتية - لم يرها أو يسمع بها أو يهفو إليها قلبه.
وهنا دبر له بعض شيوخ قومه وأبناء عمومته أمر لقائه بالعروس الشاعرة الباهرة الجمال التي تلهج الشفاه والأفواه بمحاسنها على طول البلاد وعرضها، حتى إذا ما تيسر لقاؤهما ضحكا طويلا معا حتى استلقيا على ظهريهما.
بل إن الجليلة بنت مرة استعذبت تلك اللعبة طويلا، التي تتيح لها في كل مرة الالتقاء - بحبيبها - كليب على مرأى من الجميع، حتى ترضى عن اقتناع من الزواج وربط مصيرها الأزلي به. - فأنا لست سلعة أو بضاعة لإيقاف رحى الحرب على جثتي!
حتى إذا ما افتضح في النهاية أمر لعبتهما وعبثهما تنفس الجميع الصعداء مستبشرين بوضع حد لتلك الغزوات والمنازعات بين أبناء «البيت الواحد»، فأنشد الشعراء الجوالون وتغنوا بقصة حب الجليلة بنت مرة وكليب، المرادفة للسلم بدلا من الحرب والعدوان.
إلى أن حل بالجميع ذلك العدوان الغاشم الذي قاده التبع حسان اليماني، فجاء ضاريا مؤذيا بأمن الجميع.
كان والد الجليلة الأمير «مرة» المتعاون مع التبع قد أعطاه كلمته بتجهيز الجليلة له وها هي الجليلة ستزف إليه.
هنا انتصبت الجليلة كمن تحتضن هواء البحر بأكمله؛ قائلة لكليب: ها أنا جاهزة.
استدارت في أقصى كمدها مقاربة كليبا المتنمر في إثرها معلنة. - العروس.
واجهها كليب بدوره قائلا: إذن فلن يعرف أحد.
غمغمت: سوى العروس!
هنا اجتذبها كليب من يدها إلى ذلك الكشك المزين بأشجار الورود والرياحين جنبا إلى جنب مع اللبلاب بعيدا عن العيون ليزف إليها بتفاصيل الخطة.
وتقضي الخطة بأن يجري تجهيز العروس الفاتنة ذائعة الصيت والجمال وزينة كل النساء بحيث تأتي من بيروت إلى حيث عاصمة التبع حسان في دمشق، محملة بهوادجها وخيولها المطهمة وصناديقها الثقيلة مع جوقة من وصيفاتها وغلمانها، بما يسمح بتسلل الكثير من رجال كليب المقاتلين الممتازين، في الوقت الذي سينتشر معظم جيش - من التغلبيين - على التلال المحيطة بدمشق، وسيتم كل شيء كما يريد له التبع أن يجري ويتم بطريقة طبيعية. - طبيعي.
سوى أن كليبا سيفتعل معركة على مشارف دمشق، تسمح من جهة بتسلل رجاله إلى داخل صناديق محتويات العرس وأثاثاته العملاقة، وتسمح في ذات الوقت بتسلل كليب ذاته، باعتباره مضحك أو مهرج أو خصي الأميرة الجليلة المقرب، الذي يضحك الحجر قبل البشر، متنكرا بكامله تحت هلاهيله وجلود الحيوانات والأصباغ، متخذا اسم «قشمر بن غرة» الذي يلعب بالبيضة والحجر في ذات الآن.