وها هي الجليلة بذاتها أصبحت في الطريق إليه محملة بمئات الصناديق من هداياها وممتلكاتها وخيولها وهوادجها، لتحط على عتبات قصر التبع.
وهكذا انشغلت العاصمة دمشق عن بكرة أبيها تبيت وتصحو على انتظار العروس وما تحمله، ليأتي العرس بعدها بصخبه وسموه ومباهجه التي لا تنتهي. - تلك الليلة الليلاء، المرتقبة.
ولعلها فعلا ستكون ليلة ليلاء بعدما أصبحت هاجس أفكار الوزير حنظلة، دون أن يعرف لذلك سببا واضحا. - هل حقا ما يحدث ويجري، أن تصفو القلوب بين الأغنام والذئاب على هذا النحو؟!
تساءل الوزير وهو يدور في جنبات القصر الشاهق صادرا تعليماته وأوامره التي تلقاها من التبع بحيث يجري تنفيذها بكل دقة وحزم، مع مراعاة اليقظة الكاملة لخبايا تلك الليلة المنتظرة التي أصبح يتوقعها الجميع على أحر من الجمر.
فالتبع الغائب عن كل وعي وإدراك، أصبح لا حلم له على طول ملكه المترامي سوى انتظار تلك الليلة التي ستأتيه بالجليلة بنت مرة.
وهنا يكون قد حقق هدفين بحجر واحد، أولهما استحواذه على الجليلة بنت مرة بجمالها ومواهبها ومدى الشعبية الجارفة التي تتمتع بها على طول هذه البلاد التي جاءها غازيا فاتحا.
ثانيهما هو نجاحه في ضرب وفرط عقد ذلك التحالف بين «بني مرة» وبين «بني ربيعة» التغلبيين الفلسطينيين. - وهو ما لم يدركه الجميع.
هكذا أسر الملك حسان لنفسه، مبررا مدى انكبابه على استعدادات التحضير لعرسه وزواجه من ابنة آل مرة.
بل وبهذا المنطق المتعقل نفسه واجه التبع حسان وزيره المقرب «حنظلة» في محاولة لتبصيره بأهدافه من إنجاح خطوات ومراحل هذا الزواج بالشكل اللائق، واعدا ومتعهدا بالتفرغ لحل كل ما استجد من مشاكل، وعلى رأسها بالطبع تشتيت فلول «بني ربيعة» وأميرهم المتمرد في شعاب الجبال المحيطة. - كليب بن ربيعة، وشقيقه الأصغر الملقب بسالم أو الزير سالم.
فكيف للملك حسان، أن يغفل لحظة عن كليب، وذلك الانتقام المبيت له، خاصة وهو الذي - أي حسان - سبق له صلب والده ربيعة على بوابات دمشق.
بل إن التبع أرسل فعلا بقواده وعيونه من كل حدب وصوب لترصد أخبار كليب وتصيده أينما كان، في لبنان أو وادي الأردن وفلسطين أو شمال الجزيرة العربية.
لكن الغريب هو انقطاع أخبار كليب وكل أثر له من كل تلك البقاع والوهاد، خاصة عقب إعلان التبع الزواج من الجليلة - خطيبة كليب السابقة - وموافقة أهلها وموافقتها هي ذاتها على ذلك.
وهكذا فشلت كل محاولات التبع حسان للإيقاع بكليب، أو حتى مجرد معرفة ما حل به، سواء عقب مقتل والده، أو عقب تخلي الجليلة بنت مرة عنه، مفضلة الارتباط والزواج بالملك الغازي المنتصر. - فلعله الآن، نهبا لأحقاده ينهشه الندم.
لكن كيف للتبع حسان أن يهدأ بالا، ما دام كليب بن ربيعة حرا طليقا، هو ورجاله من بني ربيعة.
كيف له أن يهدأ ويصفو بالا، وهو الذي سبق له التمثيل بأبيه وإخوته باستثناء هو وها هو اليوم يسلبه حبيبة قلبه، الجليلة بنت مرة، التي أصبح ينام ويصحو على أخبار محاسنها، وهي في الطريق إليه إلى دمشق وغوطتها الساحرة.
الفصل السابع
| خديعة التبع المتجبر
كانت خطة الأمير الفلسطيني «كليب» التي رسم أبعادها وخطواتها مع حبيبته «الجليلة بنت مرة» تتمثل أولا في قبولها وترحيبها الشديد بالزواج من الملك التبع حسان. - فليس في الوجود كله، من هي أحسن وأرفع حظا مني؛ أن تمتد إلى شخصي الضعيف أنامل «ملك الملوك التبع حسان».
باغت كليب الجليلة مقررا. - وأرجو أن تنسيني تماما، وكما لو أننا لم نلتق من قبل. - كيف؟ - سأختفي عن كل الأنظار.
تساءلت الجليلة، وهي تتطلع ببصرها عبر الأفق اللانهائي غير مصدقة: كل الأنظار ... أين؟
قاربها كليب مهونا وهو يأخذ أناملها بين كفيه في حنو: سأخبرك يا جليلة في الوقت الملائم بمخبئي وأين سأكون؟