أما عن حال التبع الجديد «حسان» فقد لازمته الأحزان القاتمة التي وصلت إلى أعمق أعماقه عقب إقدامه على قتل أخيه الأصغر - الوحيد - عمرو، وهو راقد على فراش المرض، بخنجره المسموم، وذلك بقطع رأسه من الوريد إلى الوريد، ووضعها على «طست» من الذهب مغطى بالرماد، مثلما فعل أبوه - أسعد - مع رءوس أبنائه الأربعة يبكيه أحر البكاء كلما عم المساء. - ألا سحقا ليوم يأكل فيه بعضي بعضا، أيها الحبيب عمرو.
وهكذا فرض الملك حسان حصارا صارما حول نفسه في عزلته داخل قصره الحصين فلم يعد يكلم أحدا، حتى ابنته تدمر التي هي أقرب إليه من نفسه ذاتها.
حتى إنه لم يسمح لوفد من آلاف الوفود التي سعت إليه لتقديم الهدايا وفروض الطاعة بمقابلته، مشيعا أنه مريض ملازم لفراشه حسب مشورة الأطباء.
إلا أن الوحدة الصارمة التي فرضها على نفسه، كانت قد أحدثت مفعولها من حيث التحولات التي حدثت داخله، ليخرج بعدها على شعبه وقبائله، حسانا آخر جديدا، عابس الوجه ضائقا مستهدفا للبطش، أينما ساقته إليه قدماه.
وهكذا بدأ أولى خطواته الانتقامية بقتل جميع من أشاروا عليه بتنفيذ تلك الوصية المشئومة بقتل شقيقه عمرو.
فلم يستثن منهم واحدا، مهما تعاظمت درجة صداقته وقرابته منه.
كان يبعث إلى الواحد منهم بسيافه طالبا مقابلته، وقبل أن تعبر قدماه عتبة الديوان الثالث داخل مقر الحاكم يكون قد قضى نحبه.
وكان هذا سببا رئيسيا في تزايد بطشه وهيبته التي أصبح يحسب لها كبراء حمير قبل صغارهم كل حساب.
وكانت أخبار بطشه بأقرب مقربيه، تصل مسامع عمته البسوس أولا من عيونها المنبثة عليه حتى داخل قصره ومضجعه، فيصل بها الانتشاء أقصى مداه! - ها هو رأس حمير الحقيقي شديد البأس.
بل لكم تمنت البسوس أن يزداد انتقام ابن أخيها التبع حسان أكثر فأكثر، حتى ولو أصابها هي ذاتها الدور، إلا أنها أكدت وصيتها لمقربيها وهي الحفاظ على ذلك الوليد الصغير الذي لا يزال بعد رضيعا - ذو اليزن - ابن الأمير - الضحية عمرو، والتي كانت البسوس قد انتزعته انتزاعا من صدر أمه، قبل أن تعود إلى قبائلها بوادي الحجاز باكية فجيعتها في افتقاد كل من الزوج والابن.
وهكذا عكفت البسوس على تنشئة الرضيع ذو اليزن في كنفها مولية له رعايتها القصوى، بعيدا عن العيون، وبخاصة عيني - عمه - التبع حسان، وبعدما اعتراه من تحولات ورغبة جامحة في الارتواء بالدم المراق، نازعا عنه كل بادرة لرحمة، حتى قيل عنه إنه أصبح لا يرحم حتى نفسه ذاتها. - هكذا تريدونني!
فلقد كان دائم السخرية المريرة لنفسه. - كل ما أبتغيه هو أن أحوز طاعتكم قبل إعجابكم، فهكذا أرادت حمير بي المسير. وشيئا فشيئا تخلى التبع حسان اليماني عن عزلته واصطفائه لنفسه فقط يحادثها مناجيا بلا عون أو صديق.
فخرج على قومه أكثر صلفا وتجبرا، وبدأ بإعطاء القسط الأكبر من جهده لإعادة تنظيم ورص صفوف قوات جيشه التي أوهنتها وأودت بمعظم فيالقه الحروب الطويلة المضنية التي خاضها والده - التبع أسعد - في أواسط آسيا والشرق الأوسط.
واتخذ لنفسه وزيرا حكيما يدعى «حنظلة» أجمعت مشورة الجميع، وأولهم ابنته ومكمن سره «تدمر» عليه.
وكان ذلك الوزير الحكيم «حنظلة» على معرفة واسعة بقبائل وعشائر اليمن والجنوب العربي، وتحالفاتها العلنية والسرية، كما كان حنظلة على معرفة بالقبائل والأقوام المجاورة والمتاخمة - لحمير - وما تطمح إليه في إضعاف الحميريين وتفكك تحالفاتهم بانتظار اليوم الموعود للوثوب عليهم، وخاصة عقب كارثة إحباط جيوشها التي قادها التبع أسعد حين أوصله طموحه إلى «نطح» أسوار الصين ذاتها. - «قد دعتني نفسي أن أنطح الصين.»
ثم ما انتهت إليه تلك الغزوة المغامرة التي تسبب فيها ذلك - الدليل - الآسيوي الخائن الذي أسلم له الملك أسعد مشورته وقياده، فأفقده اتجاهه إلى حد التيه الكامل هو وجيشه في غياهب تلك البلاد والوهاد لسنوات ثم اتخاذ قرار العودة إلى جزيرة العرب في غفلة منه.