وانتهت تلك الحملة بانتقام التبع أسعد من دليله وحليفه الخائن بقطع لسانه والمرض كمدا حتى الموت.
وهكذا مضى ذلك الوزير حنظلة، يسوق للتبع حسان ما يستجد من أخبار القبائل والأقوام الطامعة، متعرفا على مكامن ضعفه باستثارة التحديات.
إلى أن نجح أخيرا في إقناعه بالتخلي عن عزلته ودفائن أحزانه والاستبصار بالأخطار المحيطة والمحدقة بأمن حمير، وأهمها تلك القوة الضاربة التي بدأت تدب بين قبائل «جديس» وهم من العرب البائدة وأميرتهم الحكيمة عميقة البصيرة «زرقاء اليمامة».
وكيف أن قبائل جديس نجحت أخيرا عقب حروبها الطويلة مع قبائل «طسم» في إحداث النصر الساحق لجديس إلى حد فنائها لقبائل «طسم» وتشتيت فلولهم على طول جزيرة العرب شرقا وغربا حتى قيل فيهم: «لعبت بهم أيدي جديس»، وكانت زرقاء اليمامة أكثر استبصارا بالخطر ومدى استفحاله منذ المهد.
كانت على الدوام مدركة خطر حمير وتبعها الجديد «الفتى» الذي لم يكن يرغب أبدا أول الأمر أن تعلو هامته سواء داخل أقوام وكيانات جزيرة العرب، أو فيما يتاخمها من أقوام في الشام وما بين الرافدين وأفريقيا.
وكانت زرقاء اليمامة - وكما تروي سيرتها - لا تنام الليل، منذ أن علمت ووصل أسماعها أخبار اندحار الحميريين وتقهقرهم من أقاصي آسيا، بعدما حدث من خداع لملكهم التبع أسعد.
وكانت على دراية بأن ما حدث لحمير، ليس أكثر من كبوة أو عثرة طريق، تمهيدا لإعادة جمع الشمل والالتئام توثبا لإعادة التطاول ومواصلة الغزو والتفوق واستهداف الحروب الدموية، التي لا بد وأن تسحق يوما أول ما تسحق عشائرها وبني جلدتها، خاصة وأن «جديس» وبعد امتصاصها لطاقات مناوئتها «طسم» أصبحت الآن تشكل قوة فتية ضاربة على طول جزيرة العرب بشقيها الشمالي والجنوبي.
فها هي مدينة اليمامة الآن عامرة مزدهرة، ملء السمع والبصر.
ومن هنا فلن يهدأ للحميريين وملكهم الجديد حسان بن أسعد بال، قبل أن تطأ جيوشهم الجرارة أرض جديس، لا سيما وأنها عادت محملة بكل جديد من حروبها الآسيوية، التي لم تطحنها، بقدر ما أعادت فتح شهيتها من جديد للفتح والدم المراق.
ولكم نبهت زرقاء اليمامة الأذهان والعقول لما يحدث ويجري من حولهم، مطالبة بعدم انتكاس السلاح والخلود إلى لذائذ غنائم حربهم مع طسم التي انتهت باستئصالها من الوجود. - فعجلة حمير لن ترحم، وهذا قدرنا.
لكن من يسمع ويرى، والجميع تأخذهم نشوة النصر المعجل الساحق في جديس.
من يمكن له أن يصدق يوما، بل لحظة انتكاس الرايات الخفاقة داخل مدينة اليمامة إثر النصر الساحق على جديس.
والصوت الوحيد المحذر لزرقاء اليمامة، يجيئهم بلا صدى مبنيا في اعتقادهم على مجرد دلائل وظواهر لا أساس لها من جانب حمير وتبعها الجديد حسان، وهو الذي لم يفق بعد من ضربات الآسيويين، التي أودت بأمرائهم وفيالقهم.
لكن من يسمع ويرى؟!
ذلك الذي يدبره الحميريون وملكهم، حسان لهم في الخفاء من اجتياح وعدوان، وهو ما حدث بالفعل من جانب التبع حسان الذي بدأ في أيامه الأخيرة صحوته وعيناه الاثنتان تحطان على جديس وعاصمتها اليمامة التي أصبحت مضرب الأمثال بين العرب؛ نظرا إلى ما تتمتع به من ثراء وسطوة.
لذا آثر التبع حسان اليماني ووزيره الأول المقرب «حنظلة» اللجوء إلى الحيلة، وهما يعدان العدة لاجتياح اليمامة عاصمة جديس، خاصة وأن قبائل حمير بجيشها لم تفرغ بعد من استكمال استعداداتها وتوحدها لاستئناف القتال، بعد الخسائر التي كانت منيت بها في حروب الآسيويين.
وخاصة أكثر أن هذه الغزوة المقبلة تجيء كأولى غزوات «حسان» كحاكم جديد لحمير وتوابعها، ومن الأسلم أن تجيء وما يترتب عنها وعليها، بأقل الخسائر الممكنة.
لذا فمن الأرجح في مثل هذه الحالة، مهادنة «جديس» وحاكمتها الزرقاء وإخفاء نوايا العدوان، الذي آثر التبع حسان أن يجري ليلا، وبطريقة مفاجئة لا تسمح للعدو لشحذ قواته وكتائبه، خاصة وأنها - أي قبائل جديس - لا تزال تشرع أشرعتها، عقب الانتصار الساحق على مناوئيهم من قبائل طسم.