زار عمته البسوس محاولا إيجاد مخرج لما هو فيه، فتلقى منها ذات كلمات سيدة جبل ضهر، وكأنهما - المرأتين - وجهان لعملة واحدة. - لا مكان لك في حكم التباعنة.
اندفع حسان صارخا بأقصى قواه، معاودا تمزيق أرديته على مرأى من عمته البسوس وابنته «تدمر». - لا مكان لي في إرث أبي، إلا بإراقة دم أخي الوحيد، لحمي، إنها الوصية الدهر.
وهكذا أعاد إليه أصدقاؤه ومقربوه ذات المعنى، إلى حد أنه أقدم في إحدى سورات غضبه على إشهار سلاحه في وجه ثلاثة منهم وإراقة دمائهم. - لا مهرب. - الوصية.
اندفع من جديد ممتطيا حصانه ضاربا عرض الحائط بكل ما سمع مقررا زيارة أخيه عمرو المريض المعلول.
وما إن وقعت عيناه عليه، شاحبا معلولا يهذي عبر بحار عرقه على فراشه، حتى تقدم منه حسان لاثما محتضنا بكل قواه، وكان ساعتها يجاهد في أخذ أنفاسه الأخيرة دون نطق.
وسريعا ما استل حسان خنجره من غمده، وذبح أخاه «عمرو» من الوريد إلى الوريد، صارخا في أقصى جنونه على مرأى من زوجته المحتضنة لوليدها ذو اليزن: عمرو، أخي!
الفصل الثالث
| التبع حسان يفني قوم زرقاء اليمامة
دوت طبول «الرجروج» العملاقة التي كان يشارك في قرعها ثمانية من الرجال الأشداء.
احتفالا بذلك الحدث الكبير الجلل، وهو جلوس الملك حسان اليماني على عرش التباعنة.
وسرى الخبر أول الأمر من جبل ضهر المتاخم لصنعاء، ومنه إلى بقية بقاع حمير، في عدن وحضرموت وسبأ وذي الرمحين وصرواح وإرم ذات العماد. - الآن أصبح حسان اليماني حقا، تبع حمير المهاب، ارتفعت الرايات والبيارق والزينات، وامتدت حلقات الرقص والسمر، ونحرت الذبائح من نوق وجمال وماعز.
كل ذلك كان يحدث مدويا في أذني التبع الجديد حسان كعويل، وليس أبدا إيذانا واحتفالا باعتلائه عرش «التباعنة» العظام.
فلم يكن قد أفاق بعد من هول أحزانه الدفينة التي تزايدت منذ إقدامه على قتل أخيه الوحيد المريض «عمرو» في فراشه، وعلى مشهد من زوجته وطفله الوحيد «ذو اليزن» يبكي في حرقة على صدرها. - «أأقتل أخي عمرو، بيدي هاتين؟»
ظل التبع الجديد لأيام لا يذوق للنوم طعما، بل حاول جاهدا ألا يمس بيديه الاثنتين، الملوثتين بدم الشقيق، أي شيء.
ورفض استقبال أي من المقربين منه فيما عدا ابنته «تدمر» التي حاولت بكل ما أوتيت من حكمة ورجاحة عقل التخفيف عن والدها، مدعية أن لا دخل له يذكر فيما حدث، بل إن عمها الراحل الحبيب «عمرو» كان من جانبه يسعى إلى الموت سعيا، شأن كل الضحايا والقتلى.
وراحت «تدمر» تلثم في حنان كفي والدها طريح الفراش - حسان - وساعديه في حنو، وهي تدرك ببصيرتها الصائبة ما أصبح يعانيه من فعلته الشنعاء التي شارك الجميع في دفعه إليها دفعا. - أخي عمرو ماذا بقي لي؟
بل إن الأميرة تدمر، شاركت والدها مقاطعة كل ما يحدث من احتفالات تنصيبه، وتوافدت الوفود ما بين ملوك وأمراء وشيوخ قبائل وفرسان من كل صوب وحدب باتجاه قصر الملك التبع حسان إلا أنه رفض استقبال الجميع.
وزين قصر عمته البسوس بالزينات البهيجة، وعزفت الموسيقى داخل ردهاته وعمت الأفراح كل كيانات حمير في اليمن والجنوب العربي وشواطئ بحاره الجنوبية ابتهاجا باليوم المنشود الذي لا بد، وأن ينعم فيه الجميع بدفء الأمان المعزز دوما بسطوة «التباعنة» وملوكها منذ شداد بن عاد الكبير.
ومن هنا تجددت التحالفات، وبدأ فرسان القبائل يأخذون طريقهم إلى الميادين لمواصلة تمارينهم استعدادا لإعادة انتصاب الرايات التي نكست طويلا، منذ موت التبع أسعد وتنفيذ ابنه ووريثه حسان لوصيته - المفزعة - أيا كانت، حتى وإن تمثلت في قتله لأخيه الأصغر عمرو الحبيب.
فالآن فقط يمكن لحمير أن تسلم قيادها للتبع الجديد المتجبر القاسي القلب، يقودها إلى حيث يشاء دون كثير عناء.