مضى عمرو في انفعاله وثورته يتطلع إلى الوجوه المشدوهة من حوله دون أن يعي ما يعتري الموقف كله من غموض، مما ضاعف من إحساسه الدفين بأنه هو وحده وليس أحدا غيره السبب الرئيسي لكل ما يجري من نزاع وتطاحن، فما كان منه إلا أن انفلت خارجا مسرعا مصمما على اللحاق بأخيه واستجلاء سبب غضبته وانسحابه على هذا النحو المكفهر.
امتطي ظهر فرسه - سحب - مطلقا العنان لكوكبة فرسانه في إثره، إلى أن وصل قصر أخيه التبع الحاكم حسان، مترجلا مقتحما ردهات القصر الذي أصبح يشيع فيه الصمت المحمل بالأسى، نتيجة لأحزان التبع الجديد وصراعاته.
إلى أن لحق بأخيه حسان داخل مخدعه، وكان ساعتها يستبدل في إعياء أرديته ولباسه، استعدادا للإغفاء دون أن يراوده النوم كالعادة.
حتى إذا ما طرق عمرو الباب فاتحا داخلا، استدار إليه حسان مرتعدا محملا بكل غضب صارخا مخفيا وجهه بين كفيه كمن يعاني ألما دفينا يطحنه طحنا: ابتعد عني، ابتعد!
تراجع عمرو كالمشدوه من قسوة طرد أخيه له من بيته على هذا النحو الفادح. - أبتعد عنك يا حسان، يا أخي، تطردني؟! - اذهب، اذهب عني، لا ترني وجهك!
صرخ الملك التبع ملتاعا: امنعوه.
هنا اندفعت جوقة الحرس التي انشقت عنها الجدران محيطة بعمرو المرتعد وهم يسحبونه في رفق إلى حيث البوابة الخارجية لقصر التبع.
فهو متعب هذه الليلة.
وبدأت حالة الأخ الأصغر عمرو الصحية تسوء تباعا، وكان شاعرا رقيق الشمائل ظل طيلة سنوات شبابه منكبا على الأسفار والترحال في متاهات العالم القديم مشرقا ومغربا، بحثا عن كنوز المعرفة ودفائنها والاستفادة من كل ما يجيء به من إبداعات.
فهجر نابذا منذ صباه صراعات القصور تلك، متخليا هائما لا يبغي من عالمه سلطة أو جاها سوى مصادقة المخطوطات التي كان قد احتمل لتملكها كل الصعاب، ولو كانت في متاهي الأرض.
لذا لزم عمرو فراشه داخل قصره عقب تطاول شقيقه الأكبر عليه إلى حد طرده دون رجعة من مخدعه. - أبعدوه! وبكته زوجته - وابنة عمه - الصغيرة، حاملة بين صدرها وليدهما الطفل الصغير «ذو اليزن» دون أن تدري لمرضه المفاجئ سببا واحدا يشفي غليلها، سوى تلمس بعض شذرات تجيء من هذيانه الليل بطوله. - تطردني يا حسان، يا أخي.
ودون علم منه قررت الزوجة الحزينة حمل وحيدهما الرضيع «ذو اليزن» وزيارة أخيه الأكبر - تبع حسان - وإبلاغه بما وصلت إليه حالة أخيه الأصغر عمرو، الذي أصبح معلولا شاحب الوجه لا يقوى على مجرد المشي أو الكلام.
حتى إذا ما استقبلها التبع الجديد وعلم بما انتهت إليه حالة شقيقه الأصغر المعلول، تضاعفت همومه وعصفت به أحزانه الدفينة من جديد، إلى حد أنه مضى في ثورة غضبه يمزق حلته الملكية وتاجه وأرديته وهو يطؤها بقدميه الاثنتين كمثل مخبول على مرأى من حرسه وحجابه وأهل بيته.
ولم تفهم الزوجة الوادعة سبب انفلات ثورته على هذا النحو، دون أن يقدم على قرار زيارة أخيه أو استدعاء طبيب مداو قادر على شفاء علله.
فما كان منها سوى البكاء دفاعا عن زوجها عمرو فهو ليس خائنا أو متآمرا. - فلماذا يتآمر الجميع عليه؟
وهنا لم يجد حسان له مهربا، سوى امتطاء حصانه والتوجه إلى «جبل ضهر» واقتحام غار سيدته الدموية تلك، وإعادة طرح قضية أخيه عليها، وكيف أنه الآن طريح الفراش يعاني سكرات الموت. - أجل الموت المحقق.
واجهها محتدا جاثيا على ركبتيه: كل ما أطلبه منك، هو إعفائي من الوصية.
قالت مشيرة إلى يديها الاثنتين: لا أملك.
سألها: وإذا ما انقضى أجل عمرو؛ أخي؟
أجابت في حزم: لا مكان لك في إرث التباعنة.
اندفع غاضبا لا يلوي على شيء خارجا، إلى أن قفز هائجا على ظهر حصانه، نازلا متعرجات جبل ضهر ومسالكه، ودقات الدفوف العنيفة تجيئه مهيجة لكل حواس وكأنها صادرة من رأسه ذاتها.