فتحرص السيرة على ترصد أبي زيد الهلالي لكل ما يشاهده ويراه من معالم ومراكز قوة، تسهل على التحالف القبلي الهلالي سهولة فتحها وتملكها.
وما زال يجد في السير مدة خمسين يوما حتى أقبل إلى نجد وتلك الأوطان، وحين دخوله إلى نجع بني هلال التقاه الكبار والصغار، وكلما تقدم إلى قدام يزاحمه الجميع وهم يصرخون بصوت واحد: «اليوم قد أتانا من هو عزنا وحمانا»، وما زال سائر حتى أقبل إلى صيوان الأمير حسن والأمير دياب والقاضي بدير والأمير زيدان شيخ الشباب، تقدموا إليه وقبلوه بين عينيه، وأجلسه الأمير حسن بجانبه، ودارت البشائر في بلاد نجد بأن الأمير أبا زيد حضر من بلاد الغرب، فاجتمعت الفرسان من كل مكان وحينئذ سألوه عن الأمراء مرعي ويحيى ويونس، فعند ذلك بكى الأمير بكاء شديدا، وأشاد يخبرهم عما جرى له من التعب والمعاناة حاكيا مرة ومنشدا أخرى.
إلى أن استقر رأي كبار العشائر على الرحيل والهجرة عن الديار، إلى تونس والمغارب، لفك أسرى أمراء بني هلال.
فاجتمعت القبائل مع مطلع نهار الرحيل يتقدمها شيوخ القبائل وفرسانها، السلطان حسن بن سرحان، وأبو زيد الهلالي ودياب بن غانم والقاضي بدير، وزيدان شيخ الشباب، ثم الأميرة الجازية، التي هي في موقع الكاهنة - القمرية - الأم لهذا التحالف القبائلي الهلالي.
وتصادفهم سلسلة من الحروب والمنازعات أول ما يلتقون في بلاد الأعاجم بالعراق وتخوم إيران وبلاد التركمان، مثلما حدث مع الدبيس بن مريد، ووزيره المدعو همام، عقب سبي إحدى أميرات بني هلال وهي المارية ابنة القاضي.
وفي تلك الحروب تبدت شجاعة وفروسية رأس التحالف اليمني السيرة وهواجسها التي اشتعلت، فأنشدت تمنع أبيها عن منازلة الدبيس دياب بن غانم الملقب بأبي موسى، وابنته وطفاء، أو وطفا، بحسب نطق متوجسة كمثل كاهنة متنبئة:
قد شفت بحر من دم
وأنت بوسطه غرقان
شفتك في وسطه تسبح
كلت منك الدرعان
ما عاد لك قوة تخرج
أنا شفتك بعيان
أنت تنادي يا أبو زيد
هيا يا أبا شيبان
في سرعة قد أتاك
ومد إليك الزندان
وقال لك يا أبو موسى
أمسكني بالدرعان
وتشير هذه السيرة التي توغل في إغراقها في المأثورات الغيبية والخرافية، من ضرب للرمل واستثارة وأحلام وهواجس أبطالها، خاصة الجازية، إلا أن كابوس وطفاء ابنة دياب تحقق هذه المرة بانكسار فرسان الهلالية أمام الدبيس الذي أسر منهم الكثيرين من قادتهم وأمرائهم، منهم الأمير عقيل أخو أبي زيد الهلالي والأمير زيدان الملقب بشيخ الشباب إلى أن جاء المنقذ، وهو أبو زيد الهلالي وألاعيبه وأحابيله الكاشفة عن مدى ذكائه وقدراته الفائقة في اجتياز المآزق وتحقيق غاياته في النصر على أعدائه. «فما إن أسر الملك الدبيس أمراء بني هلال، حتى هاجت النساء والرجال واستعظموا تلك الأحوال، وذهب منهم جماعة من الأعيان إلى عند أبي زيد فارس الفرسان، فوقعوا عليه وفوضوا إليه، وطلبوا منه أن يسعى لتخليص الفرسان والأبطال من الأسر.» «إنه غير زيه وتنكر ولبس حلة من الحرير الأخضر ووضع طيلسانا على رأسه حتى لم يعد يعرفه أحد، وقصد الملك الدبيس وحادثه باللغة الفارسية، فلما رآه الدبيس تلك الصفة ظن بأنه من دراويش الأعجام، فاحترمه وقال له: من أين أتيت يا ابن الأجواد؟ قال: من مدينة بغداد وإني من فقراء عبد القادر رب الفضائل والمآسر، فقال: ادعو لنا يا درويش الأعجام بالنجاح والانتصار، وأن الله يرزقنا بأبي زيد المخادع الماكر حتى نقتله على رءوس الأشهاد ونبلغ منه سرور الفؤاد، وهو الذي كان السبب في قدوم بني هلال إلى هذه المنازل والأطلال، فإذا أجاب الله طلبك بلغناك إربك، فتعجب أبو زيد من هذا الكلام، وقال له: بلغك المراد، وما دام كذلك أريد منك أن تأمر لي بالذهاب إلى البلد. فسمح له بالذهاب وأمر الحجاب أن يفتحوا له الأبواب، وعند دخوله إلى البلد قصد باب الحديد وهو المكان الذي كانت مسجونة فيه فرسان بني هلال، ووجد هناك جماعة العبيد وهم يطوفون تحت جنح الظلام، فسلم عليهم، فردوا السلام، وقال: من تكون من الأنام؟ فقال: قد أرسلني الدبيس بن مزيد لأدعو له في جامع عبد الصمد بأن الله يبلغه المراد وينتصر على أبي زيد من الأوغاد. وأنتم من تكونون من الناس؟! فقالوا: إننا من جملة الحراس، وقد أمر الملك أن نحافظ على أسر بني هلال خوفا من أبي زيد ؛ لئلا يأتي إليهم بالمكر والاحتيال.