فلقد اجتذب عرب الجزيرة عبر زحفهم من أقصى المشرق العربي، بدءا بالخليج العربي إلى مغربه على طول الشمال الإفريقي حتى المحيط ومداخل أوروبا الجنوبية بعامة، الكثير من التحالفات القبائلية من العراق وما بين النهرين والشام ولبنان وفلسطين ومصر، إما بالانضمام للحرب أو بالتضامن الذي يحققه - التزاوج - والزواج السياسي كما سيتضح.
فمنذ الأحداث المبكرة للريادة التي اضطلع بها أبو زيد الهلالي حين حدث جوع في الأرض؛ بسبب انقطاع المطر في نجد ومعظم بوادي الجزيرة العربية، فاصطحب أبو زيد الهلالي ابني السلطان الهلالي حسن بن سرحان، يونس ومرعي؛ لريادة الطريق تمهيدا للهجرة الجماعية إلى تونس الخضراء، وتملكها بتخوتها السبع وقلاعها الأربع عشرة حتى الأندلس.
فنجد الأمراء الهلالية المقنعين على هيئة شعراء جوالين حجازية، ينزلون مضارب الخفاجي عامر حاكم بلاد العراق، الذي سيرافق الهجرة الجماعية بفيالقه المحاربة أيضا، حتى إذا ما نزلوا حلب ثم حماة وحمص وطرابلس حتى دمشق، اجتذبوا قبائل خليفة تمد يد العون لجحافل الجيوش العربية المتحالفة تحت شارة الهلال، الذي سيصبح رمزا موحدا للعالم الإسلامي فيما بعد.
واتخذ الرواد الهلالية الثلاثة طريقهم إلى غزة وحاكمها السركسي المسمى بابن نازب، ومنها إلى مصر «العدية» وأكرمهم حاكمها «الفرمند بن بامنوج»، بل هو رافقهم بفرسانه حتى تخوم الديار الليبية، حتى إذا ما حطوا رحالهم بتونس، احتالوا حتى دخلوها عبر أسوارها الشهيرة ومدحوا الزناتي خليفة، فأحسن إليهم، ثم باعوا جارية هلالية تدعى «مي» إلى سعدى ابنة الزناتي خليفة حاكم تونس.
1
إلى أن اكتشف أمرهم «العلام» ابن عم الزناتي خليفة «ونائبه في معاملات الأحكام»، فاحتال بدوره للقبض عليهم ومواجهتهم بأنهم أمراء وبصاص بني هلال المتسللين أو الجواسيس.
وبعد مفاوضات طويلة شارك فيها الزناتي خليفة ذاته انتهى الأمر بتدخل الأميرة سعدى ابنته التي هددت أباها بأن هؤلاء الأغراب لا يستحقون القتل، وإلا أدان مثل هذا الفعل القبيح لإذلال الغرباء وأسرهم أو قتلهم، بدلا من إكرامهم والترحيب بهم في تونس، خاصة وهم شعراء جوالون بما يساعد على إشاعة خبر اغتيال الزناتي لهم؛ ليصبح مسبة في الأفواه.
ثم أشارت سعدى، أو سعدى، بحبس الشابين في قصرها المنعزل بالسجن الملحق به وإطلاق سراح العبد أبي زيد ليعود بالإثبات والفداء:
يقول أبو سعدى الزناتي خليفة
فعقلي تراه قد غدا محتار
أتوني جواسيس من الشرق عا
جلا إمارة أفاضل من فروع كبار
وحينما اقتنع الزناتي خليفة على مضض برأي سعدى ابنته أمر وزيره العلام بإطلاق سراح أبي زيد ليعود بالفدية، أما سعدى فأودعت الأمراء الأسرى سجنها. «وحين انطلق أبو زيد الهلالي واصل من فوره استطلاعه للمدائن حتى أشرف إلى وادي الغباين وتلك الأماكن، فوجدها كثيرة المياه والنبات متسعة البراري والفلوات، تصلح للحرب والقتال ومرعى النوق والجمال، ثم صار من هناك إلى قابس ومنها إلى دروس فوجدها أحسن محل لامتلاك تونس، وقد تعجب من خيرات البلاد وكثرة ما فيها من الإيراد ومشاهدة من البلدان الكثيرة والمياه والبساتين الغزيرة، فانشرح خاطره وطابت سرائره.»
ويتضح من ظاهرة اهتمام أبي زيد الهلالي برصد كل ما تقع عليه عيناه من معالم وجغرافية الأراضي التونسية، مدى إخصابها وخيراتها المتفجرة، بالإضافة إلى معالمها الواقعية وحصونها في قابس ودوس بما يسهل على قومه طريق الهجرة وسهولة فتحها. «أما يحيى ومرعي فأخذتهم سعدى عندها ويبقوا في سرور وأفراح وبسط وانشراح، أما الأمير أبو زيد فبعد أن دار جميع البلاد وعرف السهول والوهاد، رجع ليرى أحوال البلاد، ولما دخل قصر سعدى فألقاه مطليا بالرصاص.»
وعلى هذا النحو دأب فارس الهلالية على معرفة كل ما يسهل على عشائره طريق هجرتهم وفتوحاتهم، بل إن الأحداث التي صادفت فرسان بني هلال جاءت هي بذاتها بالمبرر لهجرة القبائل وحربها لاسترداد أسرارها من الأمراء الرهائن بقصر سعدى الجميلة ابنة الزناتي خليفة، وغرامها الذي سيشتعل حبا بمرعى عدو بلادها الذي جاء غازيا.