ثم إن أبا زيد بعد هذا الحديث أخرج من جيبه شمعة مبنجة، فأضاءها عند فرك مناخيره، فلما اشتعلت فاح منها رائحة زكية، ولم تكن إلا برهة يسيرة حتى وقعت الحراس كالأموات من ذلك البنج، وبعد ذلك أخرج حجر المغناطيس ووضعه على الأقفال، فتساقطت في الحال، فرأى فرسان بني هلال في القيود والأغلال وهم يقاسون الأهوال، فأعلمهم بالأمر، وفكهم من الأسر، ثم أعطاهم أسلحة الجماعة، وقال لهم: اتبعوني بعد ساعة؛ حتى أكون فتحت لكم أبواب المدينة، فتخرجوا بالراحة والأمان.
ثم سار حتى وصلوا إلى الباب، فوجد الحراس جالسين في أيديهم السيوف والحراب، فردوا عليه السلام، وقاموا على الأقدام، وأجلسوه بجانبهم، وجعلوه يخاطبهم ويخاطبونه، وكان كثيرا يمد يديه إلى جراب، ويأخذ قطعة من السكر ويأكلها أمامهم، فقالوا: ما هذا الذي تأكله يا شلبي؟ قال: هذا هو ملبس حلبي. فقالوا: أطعمنا ونحن ندعو لك بالتوفيق والخير. فأعطاهم قبضة كبيرة، وكانت مبنجة فأكلوها، فما استقرت في بطونهم حتى سقطوا أو ناموا، والأسرى فقد خرجوا ومدوا في قطع البراري والبطاح، فوصلوا لأهلهم عند الصباح، فقامت الأفراح، وكثر الصياح، واشتدت ظهور الأبطال وشكروا أبا زيد على تلك الأفعال، رأوا الحراس راقدين والأسرى غير موجودين، ولما بلغ الدبيس هذا الخبر طار من عينيه الشرر وتأكد عنده بعد التحقيق والتفتيش أن البلا من الدراويش، وما هو إلا أبو زيد صاحب المكر والكيد، ودارت الدائرة واستمر القتال على المنوال حتى كثرت الأهوال على بني هلال، فلم يعد لهم ثبات فتأخروا إلى الوراء فتفرقوا إلى جانب الصحراء، وقد قتل من الفريقين في ذلك نحو عشرين ألف بطل كرار، ولما أظلم الظلام اجتمعت بنو هلال في الخيام في حالة الذل والانكسار مما أصابهم، وعقدوا ديوان مع الأمير حسن، وطلبوا منه أن يمدهم برأيه، فأخذ حسن يحمسهم بالمقال ويشجعهم على الحرب والقتال، ويقول لهم: إنه من الواجب أن تركب الجازية مع المعمارية وتحمل عليهم في الصباح بالكتائب والمواكب.»
وعلى هذا النحو الذي تسوقه السيرة في الدور الحربي والمقاتل والمنقذ للجازية، كإلهة قمرية أم لذلك التحالف الهلالي فهي بالحق التي حققت الانتصار الأخير وفك أسرى الهلالية، حتى إذا ما وصلت القبائل زحفها في أرض العجم - أو العراق الأعلى وبحر العرب
2 - حتى طالبهم ملكها المدعو بالخرمند بدفع الجزية (عشر ما لهم من النساء والدواب والخيول).
فأرسل إليه أبو زيد الهلالي منشدا:
بعثت يا خرمند تطلب لعشرنا
عشر النساء والخيول الأصايل
وتريد منا كل بيضة جميلة
بنت الإمارة زائدات الدلائل
فما تحظى بهم فإن وراءهم
رجال حروب كالأسود تقاتل
سألقاكم غدا بقوة ساعدي
وجيش بني هلال الفضايل
وإن كنتم لا تبرزوا للقتال
فإني سألقاكم بوسط المنازل
يقول أبو زيد الهلالي سلامة
سيدركوني الفرسان في يوم الهوايل
وحين وقعت الحرب بين الخرمند أو الفرمند - ويبدو أنه كان لقبا ملكيا - تبدت شجاعة أبي زيد، وما ألحقه بهم من هزائم. «فعند ذلك ولت الأعجام هاربة إلى النجاة طالبة، وخلص أبو زيد من أيديهم النساء والبنات ورجع بالنصر والإقبال إلى المضارب والأبيات مع باقي الأمراء والسادات.» «هذا ما كان من أبي زيد البطل وما فعله في ذلك النهار، وأما المارية ابنة عم الأمير غنيم فكانت في هودج على جمل أهوج، فما اشتد القتال انهز بها الجمل وسار بها على عجل، فرأت نفسها بقرب الحلة والكوفة والصلصيل وراء هودجها طالب أخذها، فصاحت على ابن عمها من ملو رأسها، وكان المذكور بالقرب منها، فلما سمع نداها ترك القتال وأتاها فجعل يطعن الأبطال ويمدد الفرسان.»
وابن عمها هنا ليس سوى أبي زيد الذي أنقذ أميرات بني هلال من أيدي العجم بقرب الحلة والكوفة.