فكانت تصل به حيله وأحابيله إلى حد التنكر تحت جلود الحيوانات في هيئة مهرج لأميرات بني هلال عبر احتيالهن على حكام البلاد التي يجتازونها، ومنهم حاكم مصر الملقب بالفرمند، وتسمى بقشمر: «فعند ذلك تجهزت البنات في الحال وفعل أبو زيد كما أشار، وكانت هذه البنات من المحصنات وكان في جملتهن وطفا بنت دياب، وجمال الطعن بنت أبي زيد، وبنت القاضي بدير، والست ربا، النعام، وجوهر العقول وسعد الرجا. ولبس أبو زيد قرون من جلد الثعالب والذئاب وتقلد بالسيف من تحت الثياب، وأرخى له سوالف طوال من أذناب الكدش والبغال وجعل بزمام ناقة الجازية أم محمد، وقد تعجبت من أفعاله السادات والعمد، وقال له السلطان حسن: لله درك على هذه الحيلة التي لم يسبق عليها أحد! وودعه وسار بمن معه من البنات الأبكار والصناديق والبكار ومن داخلهن الأقمشة الحسان والأبطال والفرسان حتى دخل إلى المدينة، وطلع إلى قصر الفرمند.»
وتنكر أبو زيد الهلالي أمام فرمند مصر، يذكرنا بتنكر كليب - ملك العرب - الأخ الأكبر للزير سالم أبو ليلى المهلهل تحت جلود الحيوانات، لتحرير حبيبته الجليلة بنت مرة التي اغتصبها التبع اليمني حسان اليماني.
بل الملفت أن كليهما - أبا زير وكليب - اتخذ ذات الاسم للمهرج قشمر.
ويبدو أنها عادة عربية سامية راسخة ، تتمثل في شعائر التوحد أو التنكر تحت جلود الحيوانات الطوطمية، فهي منتشرة بكثرة في معظم ملاحمنا وسيرنا العربية، كما أنها منتشرة لدى قبائل إفريقيا الشرقية، ويذكر فريزر أنها «لعبت دورا مهما في الحياة الاجتماعية والدينية عند قبائل «أكيكويو» التي تسكن إفريقيا الشرقية، والتي ترجع فيما يبدو إلى أصل عربي.»
6
فالمعتقد هنا بالنسبة لشعيرة التنكر تحت جلد الحيوان، واكتساب صفاته وقواه الخارقة، فالشخص أو البطل الشعبي بارتدائه جلد الحيوان يطابق بين شخصه والحيوان الضحية، والذي يكون بمثابة الحاجز بينه وبين إيذاء القوى الشريرة، بتخليصه من هذه القوى الغريبة حتى لا تتملكه، عبر شعائر التحولات والتمثل بالمولود الجديد من الجدي إلى النعجة والكبش والذئاب في حالة المتنكر، باكتساب خصائصها من وداعة وافتراس، كذلك كثيرا ما تنكر أبو زيد في زي النساء، من غواز ودلالات وقابلات ومومسات، خاصة حين تحايل برفقة الجازية وبقية عذارى بني هلال على بواب تونس؛ ليسمح لهن بالدخول، وطوره النسائي وأغانيه الأنثوية؛ لاكتساب موافقة صاحب الباب أو القفل الذي كان قد شدد عليه الزناتي خليفة بعدم فتح بوابات تونس.
| الريادة
تعد سيرة بني هلال، وتغريبتهم، ورحيلهم إلى بلاد الغرب - المغرب العربي - وحروبهم مع الزناتي خليفة، وما جرى لهم من الحوادث والحروب المخيفة، بحسب وصف الطبعات المتعاقبة على نصوصها، مدونة كانت أو شفاهية، أهم أنموذج واضح لسير الأنساب القبائلية، أو لذلك التحالف العشائري الذي لم يقتصر بحال على عرب الجزيرة، بقسميها الشمالي القيسي، في نجد والحجاز، وجنوبها القحطاني في عدن وحضرموت والجنوب اليمني العربي بعامة. فالسيرة ذاتها لا تغفل هذا الدور في التأريخ لرءوس وممثلي وشخوص ذلك التحالف، منذ الإلهة الأنثى القمرية «شمة» وسليلتها الجازية أو الغازية، وأخيها رأس التحالف المعدي القيسي، حسن بن سرحان سلطان الهلالية، وأبنائه، يونس ومرعي، ويحيى، وفارس بني هلال أبو زيد الهلالي سلامة.
ثم عرب الجنوب اليمنيين وفارسهم هنا دياب بن غنم، الذي تعارف عليه جماهير السيرة بالزغبي، مرورا بمن اجتذبتهم الهجرة الجماعية الزاحفة لتلك القبائل المتحالفة عبر التغريبة تحت شارة أو شعار الهلال، أحد أطوار الدورة القمرية، وما يستتبعها من أخذ بالتقويم القمري أو العربي (الهجري) وليس الشمس، إلى أيامنا.