تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وظل يستقبل في رحيله وإيابه استقبال الأبطال الشعبيين بحق «اليوم قد أتانا من هو عزنا حمانا.»

1

وأبرز ملامح أبي زيد هو قدراته على التنكر والتخلص من أعتى المآزق، فهو كما تصفه السيرة «يصبغ حاله سبع صبغات، ويتقن الحديث بسبع لغات»،

2

منها: العبرية واليونانية والسريانية والفارسية.

فمنذ أول أسر وقع فيه أبطال بني هلال، حين أسرهم الملك الدبيس - الفارسي - حاكم حلب الشهباء في ذلك الحين، تنكر على هيئة درويش أعجمي ولبس طيلسانا وحادث الملك الدبيسي بلسانه الفارسي بعد أن تحايل على حراسه المقربين وخدرهم بملبسه الحلبي، حين سألوه: «ماذا تأكل يا شلبي؟»

فأجابهم: «هذا ملبس حلبي.»

إلى أن حقق انتصاره على الحكام الفرس منشدا :

يقول أبو زيد الهلالي سلامة

لا يكتم الأسرار غير الأصايل

ولا يكشف الأخبار غير خائن

رديء الأصال من قوم أراذل

أنا أبو رزق من أهل عامر

وأمي شريفة من خيار القبائل

سميت أبا زيد على الناس زايد

كريم شجاع من كرم أفاضل

فحيل أبي زيد الهلالي لا تتوقف عند المعرفة بلغات عصره، وما يتفرع عنها من لهجات، متناهية الانغلاق، ولا في القدرة الفائقة على التنكر والتحولات، بل إيماءات الدراويش والشعراء الجوالين والحواة والحكواتية والكهنة والحكماء والنساء الخليعات والغوازي والمهرجين والعيارين ... بل هو كان على معرفة كبيرة بمحصلة معلومات، منها ما هو أسطوري وجغرافي وكوني، تبدت في حلوله للمحاذير والألغاز التي من مهامها اختبار قدرات البطل وذكائه وتعويق مآربه وطموحاته.

من ذلك أنه سئل ذات مرة من يهودي صاحب قلعة في فلسطين يدعى أبا بشارة: «أخبرني كم طير نزل بالكتاب؟»

3

فقال له: «تسعة: الذباب والنمل والنحل وطير الأبابيل والجراد وطير عبس وهو الخفاش والغراب والهدهد.»

هي بالتحديد الطيور السامية - التابو - وهي كما يلاحظ تخلط بين الطيور والحشرات.

كذلك كثيرا ما تعرض أبو زيد لألف باء الأشجار العربية السامية، وأجروميتها الطوطمية المقدسة، وكيف أن من دهن جسده العاري بزيت السندال لا تلمسه النار.

بالإضافة إلى معرفته بالأقوام والقبائل المنقضية مثل: «الزهل والزهول والسبط والنبطان»، والأخيرون يرجح أنهم الأنباط الأردنيون.

فلا تنتهي مخاطره ومآزقه في أديرة اللاذقية، وربوع الشام وفلسطين وقبرص، وأراضي وحضارات منقضية مثل أرض عيلام

4

المتعاصرة مع عصر جمدة نصر في سومر 2900ق.م.

كذلك يتبدى أبو زيد على طول سيرة بني هلال بالإضافة لمآثره المستقلة، على معرفة بالكيمياء وكيفية منازلة «طباخين الكيمياء» وحجر المغناطيس، ومآثره التي لا تنتهي والتي يغلب عليها الهجاء والمزاح، على طول معظم الكيانات العربية مرورا بنجوع الجزيرة العربية والشام، وقرى مصر بخاصة وكفورها، حتى إذا ما انتقلت مأثوراته إلى ليبيا وتونس ومراكش اكتست مأثوراته ونوادره مسحة شعائرية، فأصبح يدعى سيدي بو زيد «فيتبرك به الفقراء والواجفون والمضطهدون المهانون بعامة.»

فكان يتسمى «بسياج الضمن، غفير البيض، حمى - أو حامي - المسكين.»

5

كما اشتهر بخرجه العجيب وطرقه التي كلها مسالك.

ويكاد يصعب للغاية، تصور الكم الكبير جدا من المأثورات والأشعار الشعبية والهجاء والنكات، التي تدور في فلكه على طول البلدان والكيانات العربية، التي كانت يوما مسرحا لتلك الهجرة الجماعية التي فاض بها الخزان البشري للجزيرة العربية وأعرابها.

فمأثورات تغطي سوريا العليا، ووادي الرافدين بعامة، ومصر العليا «الصعيد»، ومدن الدلتا - خاصة بلدة بلبيس - بالإضافة للمغرب العربي في ليبيا وقرى تونس والمغرب والجزائر حتى الأندلس، وجبال البرانس.

فشخصيته عبارة عن وعاء كوني لكل المتناقضات: فهو شاعر عنيد، ونائحة وماجن ولوطي - كما وصفه دياب بن غانم - ومنقذ لكل حائر، كالخضر وغيره، وقديس أو أنه مسحة شعائرية تطغى على مجمل ما ذكرنا من نقائص وفضائل.

سيرة بني هلال · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٥