وعلى عادة ما هو ملمح رئيسي بالنسبة لسيرنا وملاحمنا العربية، استرسل أبو زيد المغتال بيد دياب من مرثيته الذاتية، وما علق بها من تراكم ملحمي عبر العصور.
وهكذا تخلى عنه دياب مضرجا في دمه، بنفس ما فعله جساس بن مرة عقب اغتياله لكليب. «وصار دياب كالمذهول بقومه إلى تونس ودخل إلى سراية الأحكام ونادى باسمه، بل هو تجاسر معلنا قتله لأبي زيد الهلالي، وأنه الحاكم الوريث لتونس والمغارب.»
وبكت نساء هلال «القيسيات» ورجالها أبا زيد، وكترت فيه المراثي، فأنشدت الجازية، عقب دفنه إلى جوار أخيها السلطان حسن:
أبو زيد بالعربان ليس مثاله
بالجود والمعروف وحسن ثبات
حوى حكمة لقمان وجود حاتم
وصبر أيوب وكل صفات
وحاز خصال الخيرين جميعهم
أمير ابن أمير سيد السادات
أبو زيد انظر حالنا وما جرى لنا
وفينا دياب حاكم الأوقات
أصبح على تخت ابن سرحان جالسا
وحاش بيده المال والصهوات
وعادت خيوله غابرة نحو أرضنا
وله مقام يرفع الشدات
أحيف حط الباب من الجو للوطا
وعادت عصافير الشجر عاديات
عاد الضبع يا ناس للسبع طارده
وعادت عدانا بالهنا فارحات
ثم إن القيسيين أو عرب الشمال بزعامة الجازية تظاهروا بالخضوع لدياب، ووضعوا المناديل في رقابهم علامة الأمان، وخرجوا ينادون: «يا دياب، أنت ملكنا والحاكم علينا، ولا حد منا يعصي لك أمر.» لما نظروه وتقدموا وقبلوا أياديه ورجليه، وقالوا له: «أنت السلطان ومثلك يليق أن يكون سلطان.» «ثم دخل الأمير دياب وجلس على كرسي الأمير حسن، وصارت تأتي إليه الأمارة واحد بعد واحد يهنوه، ويدعون له بطول العمر، وأما الجازية والنافلة والحريم والأولاد فإنهم اختلفوا، وعند الليل ركبوا وساروا، وسبقتهم كثير من قومهم، وتسلطن دياب على كل بلاد الغرب، وأمر أن ينادى باسمه، وأنه هو الملك حاكم بلاد الغرب، وصارت تأتيه الهدايا والتحف ورتب الحكام وعزل.» «ولما راق باله سأل عن أولاد حسن وأبي زيد، فأخبروه أن الجازية هربت فيهم مع بقية النسوان، وتبعهم ثلاثون ألف نفس من بني دريد وزحلان، فتكدر خاطره وقلوا حميت ظنوا السوء، وما آمنوا إلي، فأنا لا بد لي أن أذلهم وأقرهم؛ لأنه كان بفكري أن أرتب لهم معاش وأقوم بوصية الأمير أبو زيد، ثم ركب وتبعهم فما لحقهم، فرجع وهو متكدر.»
| مصرع دياب وأبناء الشهداء
وما إن ساقت الجازية أبناء قتلى بني هلال وشهدائها، حتى أرضعتهم من حديد الثأر، وربتهم على القتال عند ملك يدعى شمعون، بلاده حارة يرجح أنها الحبشة.
والسيرة هنا في جزئها الأخير، إنما تؤرخ لجيل تال، أصبحت تطحنه بدوره الحروب القبلية أخذا للثأر، وتشفيا بالدم الواحد المراق، الذي أصبحت تغذيه الانقسامات القبلية والعشائرية.
بالإضافة إلى النداءات التحريضية للجازية وموثباتها في اتجاه الحرب، كمثل إيزيس حين خبأت ابنها المنتقم لأبيه حورس في أحراش الدلتا، إلى أن اشتد ساعده، فقتل عمه ومغتصب عرشه ست أو شنح، والذي هو في موقع دياب بن غانم، الذي كان قد تزوج بامرأة من قومه أو قبيلته اسمها «نسرين»، ذلك أن الحرب كانت قد التهمت كل أبنائه فيما عدا وطفة التي تسمى بها، لكنه أنجب من نسرين أميرا يدعى نصر الدين، وفي ذات الوقت الذي اعتنت فيه الجازية بتربية اليتامى وأهمهم الأمير بريقع ابن السلطان حسن مع أبناء أبي زيد.
والملفت أن عين دياب بدوره لم تغفل عن نمو الأمراء - الأيتام - وحاول جاهدا مطاردتهم والتنكيل بحلفائهم وحماتهم أينما كانوا، سواء في مراكش أو الحبشة أو الأندلس، أو حتى من اختبأ واحتمى منهم في نجد والحجاز.
حتى إن دياب تحايل باتجاه التودد لبعضهم لاغتيالهم بالمكيدة ذات عيد للحم أو الضحية بإحدى القلاع، على عادة مذابح القلاع الجماعية الخادعة.
فقال لهم: «إن الرأي عندي أن نعمل وليمة على العيد وعندما تجتمعوا أوهموهم واقتلوهم، ولا تدعوا من أكابرهم أحد.» «وكان ثاني يوم عيد الضحية، فعمل دياب الوليمة، ومد السماط، وكان شيء يدهش العقول، وعزم بني دريد وأكابرهم، فحضروا ودخل نصفهم، وجلسوا على الطعام، وبقي النصف الآخر على ظهور الخيل، وفي تلك الساعة ارتفع الصياح، وعلا من كل ناحية، ورفع الصوت في بني هلال، وارتجت الأرض من كل مكان، ووقعت الضحية الصحيحة، وإذا بالطبول دقت والرايات ظهرت وانتشرت، والرماح انعكفت، والأصوات ارتفعت، والنساء زغرطت، فعند ذلك سأل عن الخبر، فأخبروه بما جرى من اليتامى، وأنهم نهبوا البوش، وقتلوا الرعيان، وطافوا على البلد من كل مكان، فعند ذلك أرسل دياب إلى ابن أخته بريقع جوابا يهدده بالقتل وبعته مع تجاب، فأخذه وسار إلى بريقع، فأعطاه الكتاب، ففضه وقرأه، وعرف رموزه ومعناه، وقال: الله يعلم إن خالي خرفان، ومراده أن أرد له البوش، ونحن لا نرضى بالبوش ولا بغيره إلا أخذ روحه.»