تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهدموا الأطناب، وأودعوهم ظهور الجمال، وأركبوا النساء والأطفال، وصاروا يجدون بقطع الروابي والبطاح، وما إن عم خبر اغتيال دياب للسلطان حسن بن سرحان، حتى عمت الأحزان القيسيين والعامريين، وما إن وصل الخبر مسامع أبي زيد حتى شق ثيابه، وألقى بشاله، ونتف لحيته، وأهال التراب مع النساء، وبكته أخته الجازية:

عمود ركبتي قد هبط يا نكبتي

طول المدى ما أنظر الأفراح

وبكينه:

يا مشبع الجوعان معزي الحزين

يا سيد المكروب يا مولى العرب

وما انتهت مراسم الجنازة وشعائر الدفن، ونحر الذبائح، حتى تنادوا في صيوان أبي زيد بالثأر ورفع العار، وبالطبع دقت طبول الحرب الثأرية الانتقامية من جديد، وساروا حتى دخلوا إلى حيث قصر دياب بتونس، فاستقبلهم التونسيون معزين، وأخبروا أبا زيد برحيل دياب وقومه إلى بلاد الأحباش.

فاستقر رأي القيسيين على تعقب دياب، إلا أنهم أجمعوا في النهاية على تنصيب أبي زيد الهلالي سلطانا على «تونس والمغارب».

بينما رحل دياب بقومه إلى الحبشة إلى أن كان يوم، تذكر فيه أبو زيد صباه وصداقته لدياب وحربهما جنبا إلى جنب، فأرسل يستعطف بخاطره طالبا منه العودة.

وحين علم دياب بعفو أبي زيد عنه استبشر وراسله، كاشفا له عن حاله، وما ألم به في الحبشة، فحتى نساؤها تحدث عنها دياب باستفاضة:

بنات البدو سود العيون قوامهم

إذا ما مشوا حسبتهم رمح ثقيف

ولكن نسوان الحبش كعجينة

الوجه منه كالحا ونشيف

ترى الواحدة كالفرق منه أشنعا

قبيحة وخيمة ما بها تنظيف

بأسنان صفر والعيون مفتخرة

لها معصم يابس كحبل الليف

ترخي كرادين لها فوق صدرها

وبالأكل مثل الكلب عند الجيف «وسار الأمير دياب إلى الملك جوهر، وودعه وركب بقومه ورجاله إلى أن دخلوا بلاد الغرب، فخرج الأمير أبو زيد ولاقاهم، وتصالحوا ورجعوا إلى الأوطان، وعمل أبو زيد وليمة فاخرة، وذبح الذبائح. وصار الأمير أبو زيد والأمير دياب في محبة زايدة، ولكن أبو زيد لم يرجع للأمير دياب ملكه، وبقي هو الحاكم، فما هان على دياب وسار يقول: متى ترجع لي البلاد التي أخذوها مني؟ وأبو زيد لواطي. فاغتاظ الأمير دياب، وكمن السر لأبو زيد، وقال في نفسه: أنا صنعت دبوس وسكين السين للأمير حسن، فخلصنا من واحد وبقي علينا الآخر. وصار من ذلك الوقت يحمل الدبوس، وكان بسبع فراشات من تحت العباية حتى لا يلحظ عليه أبو زيد، إلى أن كان ذات يوم خرجوا للصيد والقنص، وكان مع الأمير أبو زيد جماعة من قومه، ومع الأمير دياب جماعة من قومه، فوصلوا إلى البر، وخرجت الفهود والصقور، تفرق الفرسان تطارد الغزلان.» «وبقي الأمير دياب وأبو زيد في جهة، وصار الأمير دياب يطارد الشهبا، ويلعب كأنه في الميدان، فصار يعمل مثله أبو زيد، فدار نصف ساعة فصاح فيه، وقال خذها من يد دياب، فالتفت أبو زيد مرعوبا، فوجد في يد الأمير دياب سنبلة قمح، فضحك دياب وعمل هذا الأمر ثلاث مرات، ورابع مرة صاح دياب خذها من يد دياب، فما التفت أبو زيد، وظن أنها ضحكة مثل العادة عند ذلك، لكن الشهبا طلعت كالريح حتى قربت من أبو زيد وصار جنبيه، فسحب الدبوس، وضربه على رأسه، فطلع برز مخه فرأس الدبوس، فوقع أبو زيد على الأرض عميان، فوقع الأمير دياب، وقد أخذته الشفقة، فصار إليه يبكي ويلعن الحمق مدة من الزمان، فتح أبو زيد بعينه دياب واقف، فقال له: ما كان ظني فيك يا دياب. ثم تنفس منشدا:

قال أبو زيد الحزين الهايم

دمعي على خدي سجايم

أيا دياب الخيل يا ولد غانم

أيا صاحب الأفعال بين العوالم

ما كان ظني يا دياب الخيل تخونني

وتدعي صحبتك فوق الردايم

آلمتني يا دياب بضربتك

أيا حيفا كنا يا أسير لزايم

مقال الحزين ابن رزق سلامة

لقد سلمت روحي لرب العوالم

فلما فرغ أبو زيد من كلامه والأمير دياب يسمع نظامه دمعت عيناه ونزل إليه وضمه إلى صدره.»

سيرة بني هلال · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٤٥