وهكذا اشتد ساعد بريقع بن أبي زيد، بفضل حنكة الجارية أو الغازية إلى أن راسل خاله دياب بن غانم، وتهدده بالثأر وطالبه بالقتال.
وفي البداية نازلت الجازية ذاتها ديابا، متنكرة في ثياب فارس في الميدان، لحين استشهادها على هذا النحو الذي تسوقه السيرة:
فعند ذلك برز الأمير دياب إلى الميدان، وقال إلى الجازية: «من تكون أيها الفارس المفتخر على أبناء جنسه؟» فقالت له: «أنا ابن هذا الميدان، فمالك والسؤال؟» فقال لها: «لا أقاتل إلا من كان حسبه من حسبي، ونسبه من نسبي. فقالت له: «ما أكثر منك حسبا ونسبا، أنا الجازية أخت الأمير حسن وصديقة الأمير أبو زيد، وقد جئت لأخذ الثأر.» فضحك دياب حتى استلقى على قفاه، وقال لها: «متى تعلمت الفروسية؟ وأنا إن قتلتيني لا أقاتلك؛ لأنه عار أن أقتل امرأة مثلك؛ لأنه لا يليق بي هذا الأمر، وإذا قتلتك يقول الناس دياب عامر ملوك الأرض بالطول والعرض يبرز لحرب امرأة، روحي أرسلي الأمارة.» فقالت له: «ما أروح من هنا حتى أحاربك يا خائن يا غدار.» فقال: «يا جازية، بطلي كلامك الفشار، وارجعي إلى أولاد الأمارة أتنعم بآبائهم.» فقالت: «ما بالك ولهذا الكلام؟ انزل الميدان حتى أذيقك الموت؛ لأنك رديء خائن، وما جزاك إلا قطع رأسك.» فلما سمع دياب كلامها لعبت برأسه نخوة الرجال، فرفع رجله وضربها على جبينها بقوة عزمه، رفعها عن الحصان 8 أذرع، فوقعت على الأرض ميتة، فقال أولاد الأمارة: «موت عمتكم؛ لأنها قد تطاولت، فنالت جزاها.» رجع دياب محزون عليها وقال في باله: «الله يلعن الشيطان ما كان لازم هذا أمره.» وأما الأمارة أخذوا الجازية كفنوها، وعملوا عليها مناحة عظيمة. «وفي ثاني يوم برز بريقع إلى الميدان، فبرز إليه دياب والتقيا.
فلما نظرهم دياب ضحك وقال: والله مرادي أقاتلكم بلا درع وعلى كديشة عرجا. فمنعوه قومه، وقالوا له: أنت رجل كبير فما نسلم معك على ذلك. فبرز دياب بلا درع، وما معه إلا السيف والترس، فالتقاه الأمير بريقع، ووقع القتال، وانحدفوا اليتامى مرة واحدة، فالتقاهم وصاح فيهم صيحة ارتجت منها الجبال، وأراد أن يضرب بريقع بالسيف يقطعه قطعتين، فطرحه شيبان بالرمح من بعيد، وقع في جنبه دياب على الأرض من عظم الألم، فعند ذلك تقدموا الأمارة، وقال له بريقع: كيف حالك الآن؟ ثم تنفس دياب، وقال: أنا شبعت من الدنيا، وهذه مقدار كل موتة، ولها سبب، وأشكر الله الذي مت قتيل أولاد حسن وأبو زيد ولا قتلني أحد غريب. فلما فرغ دياب من كلامه، غاب عن الوجود مقدار ساعة، ثم أفاق وصار يودع الدنيا:
مقالات الزغبي دياب بن غانم
أيا موت قد زرتنا ثم دنوت» «وبعد أن مات قال بريقع: أحضروا السكين التي ذبح بها أبي، فأحضروها، فقطع بها رأس دياب، وفصله عن جسده وتركه ورجع، فأتوا قوم دياب فأخذوه، وكثروا عليه البكاء والعويل، ومزقوا ثيابهم وناحوا وصاحوا، وسرجوا الخيول سود، ورفعوا البيارق السود، ودقت طبول الحزن، واجتمعت الأمارة من كل ناحية، وعند ذلك دفنوه.» «وجلس بريقع ملك على بلاد الغرب، وراقت له الأحوال من نسرين زوجة دياب، فإنها لما قتل زوجها قالت لابنها: «لا بد من أن أولاد عمك يعملون حيلة عليك، ويقتلونك ويرتاحوا من دياب، ويخافون منك لئلا تأخذ ثأرك منهم، فهيا اركب الشهبا وسير عند أحد أصحاب أبوك.» فبينما يصير وقت مناسب لأخذ الثأر، فعند ذلك ركب نصر الدين على الشهبا، وأخذ أمه وراءه وبالطبع هربا.»
وما إن ينتقل بنا راوي
1
السيرة - المحايد - من جانب منتصر، مثل قتل بريقع المنتصر ابن أبي زيد الهلالي، لدياب بن غانم، حتى يعود ملاحقا - سلسال - جانب الصراع المقابل، وهو هذه المرة الأميرة الثاكلة - نسرين - زوجة دياب المغتال، التي بدورها خبأت ابنها نصر الدين في أحراش القبائل الحليفة بدءا باليمن، وانتهاء بالحبشة وغرب إفريقيا حتى الأندلس، لحين اشتداد ساعد نصر الدين بن دياب الطفل، ليكبر منتقما لأبيه، وهو ما تحقق حين نازل نصر الدين بريقع بن أبي زيد قاتل والده دياب، «فقسمه عن جواده أربع قطع»، فعندها دخل نصر الدين إلى تونس، ودخل قصر أبيه دياب وتسلط على كل الغرب، وهذا في نص السيرة.