تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا تأهب السلطان حسن وأبو زيد للرحيل «وسارا حتى دخلا إلى تونس المغرب، فلما نظرهما دياب، لاقاهما بالترحيب والإكرام، وأدخلهما القصر، وذبح الذبائح وأقام بضيافتهما ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع قال لهم دياب: لقد شرفتونا بمنازلكم، وكان الواجب أرحل أنا لأول إليكم، وأقدم الواجب علي. فقال حسن: نحن ما أتينا إلا لأمر مهم. ثم أشار يقول:

يقول حسن الهلالي أبو علي

ولي قلب من جود الزمان كواه

ولي عين طول الليل لا تألف الكرا

ودمعي فوق خدي سجاه

يا دياب الخيل اسمع مقالتي

واصغي لقولي وافهم معناه

سعدى بقت عنده وديعة بينما

يروق منا البال نقيم هناه

طلبت منها أن تكون حليلتك

هذا فعال العيب لا ترضاه

وجعلتها عند الجوار لخدمتك

وتطحن لملحك والحطب مياه

عيب ترى هذه الفعال جميعها

وما هي مروءة الرجال تراه

سعدى مرادي أخذها لضعونا

وأزوجها مرعي بأحسن جاه

وهي يتيمة يا دياب بن غانم

أبوها قتلته أنت وسط فلاه

فلما فرغ حسن ودياب يسمع تضايق، لكنه أخفى الكمد، وقال إن سعدى باقية كما هي، وأما قولك: إني طلبت أن أتزوجها، فهذا كذب، فقال حسن: هذا كتاب سعدى اقرأ. فقرأ دياب واغتاظ أكثر من الأول وقال: يا حسن هذه سعدى بواقعة وحالته، فالتي تخون أبوها لا يكون فيها خير لأحد، فالواجب إذلالها. فقال: هذه خطيبة مرعي أطلبها.»

ويبدو أن السلطان ودياب قد وصلا في احتدامهما إلى حد الاشتباك، وذكر دياب للسلطان، كيف يهينه من أجل فتاة خانت والدها وقبيلتها ويحق بالتالي قتلها.

ثم إن دياب اقترح وضع سعدى في مكان بعيد في آخر الميدان المتصدر لقصره، الذي كان قبلا قصر أبيها الزناتي، ثم يركبون خيولهم بأول الميدان، ويطلقون الأعنة، ومن يصل إلى سعدى تكون ملكه ويأخذها. «فقال حسن رضيت. ودياب رضي أيضا، ثم اتفقوا على ذلك، وفي اليوم الثاني أحضروا سعدى إلى الميدان ، ووقفوها في آخره، ووقفوا هم في أوله، وأعطوا لبعضهم شارة، فخرجوا كأنهم نشاب، كان دياب راكبا الشهبا ابنة الخضرا، وكانت أحسن من أمها، فراحت أمام الجميع ومن خلفه الأسمر الآخر على الحصان، وكانت المسافة مقدار ساعة، فلما وصل إليها، قالت له سعدى: أنا أختك يا دياب. وكان الأسمر علمها أن تقول ذلك، فلما سمع كلامها، عرف المضمون، فشهر حسامه فجرحها جرحا بليغا، فصار به حسن، وقال: ماذا عملت هكذا يا دياب؟ قال: أنتم قلتم إن الذي يسبق إليها تكون ملكه، وهي صارت ملكي، فأتصرف كيف أشاء، وبما أنها خاينة لا أريد أن أبقيها عندي. ثم نزلوا إلى سعدى، فوجدوا فيها روح، فحملوها وساروا حتى دخلوا القيروان، واجتمعت البنات والنسوان لما عرفوا بقتل سعدى، وكذلك مرعي فإنه مزق ثيابه، ونتف شعره، وسار كالمجنون، وأما سعدى فإنها فتحت عينيها من حلاوة الروح، وأشارت تودع الدنيا بكلام يفتت الأكباد:

أنا كنت أسعد الناس كلها

شبيه القمر إن بان تحت غمام

مولعة بالعز والغنى والصبا

أنا وأبي في لذة وأنعام

فلما أتى أبو زيد للعرب ردها

ومعه أمارة خيرين كرام

علمت بهم من قبل أن يأتوا بلادنا

ضربت تحت الرمل والأفهام

جاءوا إلى سلطان قابوس الضحى

وأبو زيد من سهر الليالي نام

أتوهم عبيد السود وقفوا حولهم

وهم ساحبين خناجر وحسام

وشدوا أياديهم كتافا إلى ورا

وأخذوا صوارمهم مع الأغنام

وقد عرضوهم للزناتي خليفة

ملك ملوك الأرض كالضرغام

نهرهم وقال جيتم تزوروا بلادنا

فقالوا نحن شعار نقصد الإكرام

فقال شلحوهم يا عبيد ثيابهم

وامضوا بهم إلى المشنقات قوام

ونادى عليهم في شوارع تونس

ردلوا حبالا ما كنات برام

فطليت من شباك قصري أشوفهم

وأنا مثل بدر مستهل تمام

تعلقت في مرعي لما نظرته

سلب مهجتي والقلب منه هام

وقد أصلت نار الغرام بضامري

وقد هاج بليلي وزاد غرام

نهضت أنا من منزلي نحو والدي

وقلت يا أبي لا تكن ظلام

فما ذنب شعرا أمرت بقتلهم

سيرة بني هلال · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٤٢