تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مساكين فقراء كلهم أيتام

فقال جاءوا يزوروا بلادنا

لكي يملكوها في قنا وحسام

أشرت على أبويا شور أطاعني

ومن يأمن الأنثى يروح عدام

لبست من الصندوق ثوبا مذهبا

وأرخت من فوقه رفيع أكمام

وفي وسط قصري يا أمير وضعتهم

وأبو زيد قد راح يجيب أغنام

وقلت لهم لا تحملوهم والنبي

عليكم مني ألف ألف سلام

وجبت لهم من كل ما يشتهونه

من اللبس والشاشات والهندام

إذا لف مرعي الشاش من فوق

راحة فيقطع حبلى ما أطيق قيام

أشوف وجهه كالهلال إذا بدا

وجبهته تضوي كبدر تمام

مضى وما مضى إلا وأبو زيد عائدا

ومعه جموع مثل فيض غمام

وعدد تسعين ألف ومثلها

وتسعين في تسعين ألف همام

زرعوا أرض تونس والبساتين كلها

وابنوا بيوتا عالية وخيام

قتلتم أبويا ثم أخذتوا بلادنا

قتله الفتى الزغبي أبو غام

تملكتم تونس وقابس أرضنا

ولا تحفظوا لي يا كرام مقام

وما نلت من مرعي مناي وبغيتي

نسيني ولم يرعى إلي زمام

يا رب من كان السبب بفراقنا

يقتل وفوق الأرض دمه يعوم

قد أحرموني لذة العيش والهنا

وشملي تفرق ما بقي له لموم

فلا تلموني الصغيرة إذا بكت

أبكي على أهلي وكل غموم

زرعت جميلا قابلوني بضده

وكيف من زرع الجميل يضام

أيا أبا علي قد كان مني تحاكم

وملكتكم عشرين تخت تمام

فما عاد إلا الموت يا أمير أبو علي

سأرحل عن الدنيا بغير مرام

يا أبو علي هات لي مرعي أشوفه

وأودعه قبل أن أذوق حمام

يا ليت أبقى لمرعي خديمة

وأكبس لرجليه بوقت منام

فما فرغت سعدى من كلامها حتى شهقت وماتت، فقاموا عليها الصياح والنواح، ثم غسلوها ودفنوها، وصار حسن في قلبه من دياب نار، وأما دياب فإنه طغى في الحكم؛ لأنه ملك في آخر عمره، وكان يبغض على أهل العرب، وهم كلهم يبغضونه، وما عرف كيف يتصرف بالملك، فأفسد عليه أهل بني زغبة، وصاروا يوشون لهم حتى صاروا أكثرهم يبغضوه، ولكن ما حد منهم قدر أن يحكي كلمة؛ لأنهم يخافون من بأسه وسطوته، ودامت الأحقاد بين دياب وحسن وأبو زيد، ولكن في الظاهر كانوا يظهرون المحبة والمودة، ويخفوا ما في قلوبهم.»

| خلافات بني هلال والهزائم

وعلى هذا النحو برزت الخلافات والأحقاد الدفينة بين قطبي التحالف الهلالي في مواجهة البلاد المفتوحة وأموالها وسباياها، وضاعف من حدة هذه الانقسامات المتفاقمة المهددة استثارة قبائل الزناتي، وعرب المغرب لها طلبا للثأر، مثلما حدث في حرب البسوس التي أذكت نيرانها لمدة أربعين عاما الكاهنة الملقبة بسعاد أو البسوس أخت التبع اليماني الذي اغتاله «كليب الفلسطيني» في دمشق.

وعليه استطاعت أخت الزناتي خليفة واسمها ست الغرب التنكر في زي شاعرة جوالة، أو بصفة شاعر لف، كما تدعوها السيرة، تمدح الأمراء إلى أن وصلت تونس، ودخلت على الأمير دياب بن غانم ديوانه فمدحته، وهنأته على قتله للخليفة الزناتي أعدى أعدائها. «وعزمته في ضياعها المخصبة الفواحة وقصرها بعين سلوان.»

وعندما راق للشاعرة المتنكرة بذور الحسد التي زرعتها فيما بينهم، واصلت تحريضهم لبقية القبائل.

وهكذا قال أبو زيد معرضا بدياب: «نحن ماسكين البقرة من رأسها، ودياب يحلبها من ذنبها.»

وهكذا تجمعت نوايا الحرب والعدوان بين دياب، والسلطان، وأبي زيد خاصة بعد أن أغار الأخيران على «بستان دياب المزهر، فحطموا شجره، وهدموا قصره، وردموا آباره.»

ونشبت الحرب لفترة محدودة بين السلطان حسن ودياب، إلى أن تمكن أبو زيد من عقد المصالحة بينهما في القيروان، إلا أن السلطان حسن دبر مكيدة لدياب تسوقها السيرة على النحو التالي:

وكان دياب لابس جبة من الحرير الأخضر، وشالح على كتفه برنس أحمر وعلى رأسه عمامة من البرفيل والأرجوان، ثم دخلوا على الأمير حسن، فترحب فيهم غاية الترحيب، وجلس دياب على كرسي من العاج كأنه الذهب الوهاج وقومه من حواليه، ثم أمر الأمير حسن بإحضار القهوة والكأس والشراب، وأحضر مائدة من الطعام مصحوبة بألف فارس ضرغام، أجلسوا على المائدة، وجدوا المناسف مغطاة، فرفع الأمير دياب الغطا عن المنسف، وجده فارغ من الطعام، وفيه قيود من الحديد، فقال الأمير دياب: «ما هذا يا حسن؟» فقالوا: «الواجب أن تتقيدوا إلى السلطان بالإطاعة، ولو ساعة.» فعندها وضع الأمير القيد برجله، وفعلت باقي الأمارة كفعله، وبينما هم كذلك إلا اندفعت فرسان دريد لداخل المكان، وبيدهم الخناجر والسيوف، ومن جرى من ذلك، فصار دياب كالملهوف، فعندها أمر الأمير حسن بنصب المشانق والحبال، وقال: «اشنق جميع هؤلاء الرجال.» فذبحوا ستين أمير، غانم ودياب والبقية أمر بشنقهم، أما الأمير غانم ودياب كاد تقفز مرارتهم من كثرة الحزن، ولكن ما طلع بيدهم شيء بحيث إنهم مأسورين وخاليين السلاح.

سيرة بني هلال · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٤٣