ولم يطل خلافهم طويلا، حول كيفية إعادة تقسيم البلاد المفتوحة، حتى جاءت الأخبار صادمة.
ذلك أن الملك ناصر شقيق الزناتي، جمع تحت إمرته سلاطين التخوت السبع، وأخذ معه العلام بالحيلة والتهديد لمعرفته بمسالك طرقات تونس والمغارب ومكامن ضعف قوات التحالف الهلالي.
وهجموا بأسلوب مفاجئ على ابني أبي زيد ودياب صبره وموسى، ومن ولوهم من أمراء وقواد بني هلال، وعددهم ثمانية فقتلوهم، وأسروا صبره بن أبي زيد، وأخذوهم معهم في الأغلال رهينة.
حين حاول العلام التدخل لفك أسر الأمير صبره بن أبي زيد، عاجله أمير من عرب المغرب، وطعنه في صدره، فأماته بثأر الزناتي، واتهموا العلام بالتآمر لحساب الهلالية.
وكان أن تجددت الحرب هذه المرة ضارية، وتمكن الهلالية في الجولات الأولى للحرب من قتل العلام؛ لأنه كانت بينه وبين أبي زيد معاهدات
1
لم يحفظها، وحزن أبو زيد لموته.
وتقدم أبو زيد ببني الزحلان إلى قابس، ودياب ببني زغبة إلى كويج، وواصل أبو زيد ودياب زحفهما:
ملكنا من نجد إلى قاع تونس
بطعن يورث العدا عطيبها
فقتل دياب أحد أمراء عرب المغرب، واسمه الأمير «وائل»، واعتلى من فوره عرشه.
ثم قتل دياب الملك سليمان، وجلس على كرسي مملكته، وانتهى من تحرير القلاع السبع، وولى عليها وجوه بني زغبة من قبائله اليمنيين وعرب الإمارات.
وبدوره واصل أبو زيد زحفه لتحرير نصيبه في حكم المغرب العربي، فافتتح القيروان، واستقبله أهلها بالورود والرياحين والزينات ثم فتح مراكش، إلى أن وصل إلى مكان، تدعوه السيرة «بالأندلس».
2
وحين انتهى أبو زيد ودياب من الوصول بفتوحاتهما عبر المغرب العربي، وصولا إلى شبه جزيرة أيبريا - أو ما تدعوه السيرة بالأندلس - اجتمع أبو زيد ودياب في بلد تدعى «عين تورز»، وعادا إلى تونس للاجتماع بالسلطان حسن بن سرحان في نجوة بني هلال، وأعادوا من جديد تقسيم «الغرب» أو المغرب العربي بالسوية كما يذكر النص.
إلا أن دياب أصر على أن يأخذ كعهده تونس «عوضا عن موت الخضرا» فرسه التي قتلها الزناتي، خارج القسمة «بالسوية».
وأصبحت القيروان وتوابعها عاصمة للسلطان حسن، أما أبو زيد فاتخذ الأندلس عاصمة له.
| مأساة سعدى ومرعي
وهكذا استتب الأمر للهلالية من عرب قحطانية وقيسية. أو نجدية حكم المغرب العربي وصولا إلى مداخل أوروبا الجنوبية دون مناوئ.
واتساقا مع ما هو متبع، فما إن هدأ صراع الحرب والنزال، حتى اندلعت حروب القصور، والمضاجع والحريم.
ذلك أن دياب بن غانم ما إن عاد فاتحا منتصرا إلى حيث مقره تونس، وبالتحديد قرطاج عاصمة ملكه المترامي، ليعيش حياته المترفة داخل حريمه «بعدد شعر الرأس»، حتى بدأ صراعه مع أسيرته سعدى ابنة الزناتي خليفة التي تمكنت بدورها، من أن تصبح عينا مسلطة داخل حريم دياب لحساب الشق الثاني من التحالف، السلطان حسن وأبي زيد، فهربت من فورها المكاتبات والرسائل للسلطان حسن ومرعي تخبرهما بما أصبحت فيه من ذل وتجبر دياب وتنكيله بها إلى حد التهديد اليومي بالقتل والتشويه، وهي التي نسيها، وتخلى عنها الجميع.
لكن ما إن علم السلطان حسن بمدى ظلمها والخطر المحيط بها، حتى بادر من فوره إلى جمع خمسة آلاف فارس، وشدوا الرحال إلى الأندلس للاجتماع بأبي زيد الهلالي، وبلاغه بمعاناة سعدى وتسلط دياب.
وما إن أبلغ السلطان أبو زيد بما حل بسعدى، وهي خطيبة ابنه مرعي، الذي أصبح كالمجنون لا يعرف كيف يتصرف بإزاء جشع دياب وتسلطه، على الأميرة التي أبلت الكثير في مساعدة الهلالية، وترجيح كفة انتصاراتهم في مواجهة قومها وقبيلتها، وما تعرضت له من الامتهان.
بل هي ذاتها سعدى التي خاطرت مخترقة حصار أعداء بلادها، مشيرة عليهم بأهمية عودة دياب بن غانم، فهو وحده المقدر له قتل أبيها الزناتي وفتح تونس.