1
تساعد ابنة البين مغتصب عرش الشاطر حجازي عقب موت والده الملك معروف، حبيبها السجين في أن تسرق له سيف أبيها البين - المحجب - الذي يقتل إلا به، على أن يتزوجها عقب خروجه من سجن أبيها، وقتله واسترداد عرشه.
وبالفعل يعدها الشاطر حجازي بهذا، لكن ما إن يحقق انتصاره بقتل والدها البين، حتى يقبض عليها، ويقتلها حرقا، ويذري رمادها في الهواء مع أبيها رمز الشر والشؤم، بدلا من الزواج بها، على اعتبار أنها خائنة أبيها وبالتالي قبيلتها، ومن هنا حق عليها العقاب بالموت حتى ولو من جانب حبيبها أو عشيقها.
وهو ذات المصير - التراجيدي - الذي سيصادف هذه الابنة المحبة سعدى ابنة الزناتي خليفة، من جانب دياب بن غانم قاتل أبيها المنتصر.
فلقد وصل الأمر بالنسبة لتعلق سعدى بمرعي وتعشقها له إلى حد أنها وجهت أبيها الزناتي خليفة إلى التمسك والاستمرار بسجن الأمراء الأسرى، ومنهم حبيبها مرعي، وعدم الإفراج عنهم، وإرجاعهم إلى قومهم، وإنهاء الحصار والحرب، حين أشار عليه ذات مرة أبو زيد الهلالي وكاتبه بشأن الإفراج عن الأمراء الثلاثة الأسرى وإنهاء الحرب، كما تروي السيرة شعرا:
خليفة تبعت الكلام تقول لي
هذا كلامك زور مع بهتان
إن كان ما قلته صدق مؤكد
أطلق لنا أولادنا من الآن
هذا مرادنا منك يا ملك
ونأمنكم من حرب عود الزان
فلو تزرع الحوادث يا ولد صالح
حصدت بداله أربع وثمان
وما إن تسلم الزناتي رسالة أبي زيد حتى قال: «أحضر الأرباب»،
2
بما يشير إلى رغبته في استشارة الأرباب من أصنام طواطم، بالطبع في رد الأسرى وإنهاء الحرب.
فبعث الزناتي إلى ابنته سعدى، وقال لها: «أطلقي المحابيس حتى ترسلهم إلى أهلها.» فلما وصل الخبر أتت سعدى إلى عند أبيها، وقالت: «يا حيف أبي! أنت صدقت كلام العرب، هؤلاء العرب ما بقوا يفارقوا هذه البلاد.» فقال لها: «والله لقد صدقتي لوعد منا الحياة ما عدنا نرسلهم.» وكان تلك الساعة مرعي عندها:
تقول سعدى بنت أمير تونس
وجرح الهوى قد علقني حبايله
جرحني الهوى في قلب أهانني
ومشعال نار الجد أشعل فتايله
أنا ما ضناني غير مرعي وذلني
فيا رب تجمع شملنا وأوصله
طوله يشابه للرديني إذا مشى
متى تسمح الأيام وانظر حمايله
أنا خايفة يطلقكم وترحلوا
لأن سلامة كل يوم يزعله
فإن كان يرسلكم تروحوا لأهلكم
وينظر لكم حسن ويشفي نحايله
أنا خايفة يا بطل حربنا مع قومكم
يفرح بمرعي حين ينظر حمايله
ما قالت سعدى للهوى قد صابني
على حب مرعي في فؤادي عمايله «قال الراوي: فلما فرغت سعدى من كلامها، أنشد مرعي يجاوبها:
يقول الفتى مرعي بعين وجيعة
لها بين نور الهاجعين دراف
لأن حبك يا مليحة ذابني
وجاني هواك والغرام صداف
ولكن أبوك يا مليحة أهانني
بالحبس صرنا موجوعين ضعاف
وإن كان يطلقنا فلا يمنعه
حتى نروح لأهلنا وسلاف
وأخبر حسن بما فعلتيه معنا
أبوك بين الملا عراف
ويرسل إلينا أبوك نخطبك منه
ونعطيك خيلا مع أموال ظراف
هذا مرادي يا مليحة ومنيتي
نريد الحلال وما نريد خلاف
وأما الخنا فليس فيه تطابق
لأني أنا من نسل قوم شراف
ولا بد نملك أرضكم وبلادكم
وأخذك حقا بغير خلاف
فلا نحمل إلا عزا وغاية المنا
يداركنا الرحمن بغير خلاف» «فلما فرغ مرعي من كلامه لسعدى فبقوا على ما كانوا عليه أولا في النهار تنزل إلى الحبس وفي الليل تجيبه إلى عندها وتنام واياه، أما ما كان من بني هلال لقوا أولادهم ما طلعوا إلى الحبس قام أبو زيد، ودق طبوله، ونزل إلى الميدان.»
وهكذا يتضح من نص السيرة السابق. مدى تعشق سعدى لمرعي إلى حد إخراجه من السجن ليلا، وإيداعه فيه نهارا.
بل إن اتهام الزناتي خليفة لابنته وصل إلى حد وصفها بالباغية التي يحق قتلها، وتحميلها ذلك الخطر الرابض بعودة دياب بن غانم، قاتله القدري الذي أصبح يدق أبوابه متحديا.
وعلى هذا النحو تذكر السيرة «إن كل منية لها أسباب، ومنية الزناتي بيد دياب.»