3
وهكذا استعرت الحرب ضارية هذه المرة بين الزناتي خليفة، ودياب وقومه إلى حد أنهك الزناتي، ودفع به الشكوى لابنته سعدى.
| دياب يقتل الزناتي ويسبي سعدى ويحكم الغرب
ويبدو أن سعدى ابنة الزناتي تونس تدخلت في مجرى الحصار والقتال المستمر على بوابات تونس، إلى حد الاتصال ببني هلال في العلن هذه المرة، خاصة في مركز السلطة الجديدة التي رجحت كفتها إلى جانب اليمنيين في مواجهة القيسيين - السلطان وأبي زيد - ومركزها هنا القائد المنقذ دياب بن غانم، فراحت سعدى تخاطبه، في اتجاه إيقاف القتال، والعفو عن والدها الزناتي خليفة:
فاعفي عن الزناتي خليفة
وخذ ما تشتهي وتريد
خذ ملكنا والرزق كله
بساتين تونس قريبها والبعيد
ولما لم تجد آذانا صاغية من جانب دياب المتسلط في الانتقام والثأر، راحت تلهب الزناتي والدها للخروج له وحربه محرضة، والزناتي يجيبها:
أيا سعدى حربة دياب بن غانم
تغنى بها الشعراء نغم قصيد
أيا سعدى حربة دياب بن غانم
كم راح منها ابن ست وسيد
وهكذا تجددت الحروب والصدام بين دياب والزناتي.
وهكذا حرم دياب بن غانم - كالزير سالم في حرب البسوس الانتقامية - حرم دياب مجامعة النساء حتى ينتهي من قتل الزناتي واقتحام تونس وسبيها.
وإن كان ما أشفي غليلي منك
يحرم علي وصال البيض ملاح
قال أبو موسى دياب بن غانم
أنا لا مهزار ولا مدعي ملاح
وبادره الزناتي بدوره بأحقاده: «في القلب منك يا دياب نيران.» حتى إذا ما طالبه الزناتي بالتفاوض لإيقاف القتال الضاري والصلح، جاء دور كاهنة بني هلال التي لها ثلث الشورى «الجازية» محرضة:
تريد صلحا بعد تسعين أميرا
حريمهم عليهم قايمين العدايد
بل وصل الأمر بالزناتي خليفة إلى حد مناشدته الصلح الذي لا يبعد كثيرا عن الاستسلام:
فاصفح عن حربي وخذ ما تريد
أموال خذ مني وكل جناس
أعطيك القيروان وقابس
تونس وقابس ودير مكناس
1
حتى إذا استنجد الزناتي بابنته سعدى مستشيرا متخطبا، حثته من فورها على مواصلة القتال حيث لا مهرب.
ويبدو أن الزناتي خليفة حقق بالفعل في تلك الواقعة انتصارا على دياب إلى حد إيقاعه وقتل الخضرا فرس دياب، «التي حزن عليها أشق الأحزان، وأمر بغسلها وتكفينها بشقق الحرير، ثم يدفنونها في مهابة، وبنى على قبرها قبة عظيمة، وذبح على قبرها ألف ناقة فرقها على الفقراء.» «لكن أيقن بنو هلال عندئذ بأن دياب لن ينسى أبدا ثأر الخضرا فرسته، وأن راية الزناتي قد اقتربت بالنصر، وبالفعل فركب دياب ابنها ونازله الزناتي إلى أن هرب الزناتي، فقام دياب بإطلاق الرمح؛ لأن الزناتي كان هاربا، فالتفت لكي ينظر إلى دياب، فأصاب الرمح عينه وعدة «ومرقت» الحربة من قفاه، فتذكر الأمير دياب وقت قول ابنته نجيبة حين قالت له: «اطعنه بعينه»، فمال أبو سعدى عن الجواد، وعول على الوقوع، فسلب «فسل» دياب على رأس السنان، وعاد هو ورجال بني هلال على قوم الزناتي، فبدلوا أفراحهم بالكد، فلما شافوا الزناتي على الأرض مطروح، كثرت عليهم المصائب والأهوال، ما عادوا يعرفون اليمين من الشمال، فولوا هاربين، وأما قرايب الزناتي وقومهم دخلوا وصاحوا الأمان، ودخلوا واقعين على دياب، ورموا سلاحهم، وسلموا أرواحهم، وطلبوا الأمان، وأولهم كان العلام، وطلبوا من دياب مكان يقيموا فيه، ويلجئون حريمهم، فأعطاهم مدينة الأندلس وما حولها.» «ورحل العلام وقومه الحريم والعيال، وقطنوا بذلك المكان، ورجع الأمير حسن والأمير أبو زيد وبنو هلال نحو تونس لينظروا كيف قتل.» «أما دياب ملك تونس، وبالحال نادى عبده خليل، وأعطاه الرمح، وأمره أن يوضعه فوق تونس، وينادي باسم الأمير دياب، وكل من لا يدخل تحته يقتل، ففعل كما أمره مولاه، وصار ينادي بنداه، فسرت سعدى بقتل أبيها، ولبست أفخر ملبوس، وصارت تتبختر كأنها العروس، حتى أتت إلى عند الأمير مرعي وهو يتمشى بجناين القصر عند العصر وهو لابس الملابس الحرير، وهو على رأسه طربوش مغربي، حسب عادات أهل الغرب، ثم دخلت عليه سعدى، وقبلت يديه، وقالت له: اعلم أيها الأمير الخطير، قد جاء الفرج بعد التعسير. وتعهدت وإياه ألا يأخذ غيرها من النساء، وعدته أيضا ألا تأخذ غيره من الرجال ولو قطعت بالسيف.»