تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا بدير العامر خالنا

يا نحيف وجهه بعد نور ينفطر

فأبشروا بالنار أنتم يا بنات

فيما مضى لحدين بولاد أتذكر

أنا عليهم مثل سبع كاسر

من هد إليهم يا عذارى انحدر

وانظروا فعل دياب يا بنات

افرحوا اليوم يا بنات وأبشروا

بعون من أمره علينا قد قدر

خاطركم المكسور مني ينجبر»

ويذكر أن دياب بن غانم كان يلاعب طفلة صغيرة، وهو غائب الفكر كالتائه المأخوذ في الكيفية التي سيقتل بها الزناتي خليفة اسمها «نجيبة» ملاعبا سائلا، وهو يقبلها في شره: «أين أطعن الزناتي؟»

فقالت له: «في عينه.»

فقال: «مبارك قولك يا صغيرة، لن أطعنه إلا في عينه.»

وقد كان.

| عشق سعدى لمرعي وخيانتها لقبيلتها ... وطنها

ويبدو أن فتيان بني هلال الثلاثة المأسورين داخل السجن الملحق بقصر سعدى ابنة الزناتي، والذين كانوا على مقربة أكثر مما يحدث، سواء على جبهة القتال، أو داخل أروقة القصر الحاكم في تونس، وما يعتمل داخله من مؤامرات على عادة القصور المحاصرة بالرماح واللهب، مضافا إليه بالطبع مؤامرات المضاجع من مؤامرات يكيدها العلام ابن أخي الزناتي والطامع في عرش تونس وقلاعها الأربع عشرة حتى الأندلس.

لذا لم يوفر العلام مكيدة في سبيل الحصول على مبتغاه في وراثة حكم قرطاج، التي صمدت ذات يوم في مواجهة الزحف الإمبراطوري الروماني، وعليه فقد دأب العلام على وضع العراقيل في طريق سعدى ابنة الزناتي، لاقتناصها والزواج منها ووراثة حكم تونس، إلا أن سعدى التي ولدت على كره العلام والنفاذ لأطماعه الدفينة التي هدفها بالطبع العرش المتوارث عن طريق الابنة - الأنثى - في ذلك المجتمع القبلي الأموي الذي ما يزال يقدس الخال إلى أيامنا.

ومن هنا وجدت سعدى مهربها في حب مرعي الأمير المتسلل عدو بلادها الطامع، والسبب - السياسي - الظاهري الذي يسوقه الغزاة الهلاليون لغرض هذا الحصار بالحرب على تونس بحجة الإفراج عن أسراهم الأمراء الثلاثة.

فيبدو أن الأمراء الهلاليين الثلاثة كانوا أكثر إدراكا بصائب بصيرتهم أن سبب هزائم قومهم وقبائلهم الهلالية، هو الانقسام على جبهة القتال وليس غيره، ذلك التصدع الذي نزل بقطبي التحالف بين عرب الجنوب اليمني، والشمال القيسي، ممثلا في الصراع الناشب بين أبي زيد والسلطان من جانب، ودياب بن غانم من جانب مقابل، مما دفع إلى إبعاده لحراسة - البوش - بدلا من قيادة المقدمة.

إنه الصراع الدفين المفضي إلى كل الانقسامات والهزائم، والذي لم تبرأ منه سيرة شعبية عربية، خاصة سيرة الأميرة ذات الهمة، والتي تؤرخ للحروب الإسلامية البيزنطية، والانقسامات على جبهة القتال بين كل من عرب شمال وجنوب الجزيرة العربية، مما دفع بالأمير الشاب الأسير مرعي، ويونس ويحيى للتوسل إلى سعدى، وإرسالها سرا إلى حيث مضارب بني هلال، والإشارة عليهم بأن قاتل أبيها الزناتي خليفة - القدري أو السحرى - ما هو سوى دياب بن غانم.

وبالطبع فإن السبب الدافع إلى مثل هذا التصور الغيبي السحري الذي تسوقه السيرة، مرجعه إلى أن سعدى بدورها، كانت أقرب إلى كاهنة - قمرية - لها دورها المتحقق في المشاركة والشورى السياسية والحربية، أما السبب الأقرب فهو يتمثل في قربها من أبيها الزناتي خليفة، والمعرفة بهواجسه التي مؤداها أن قاتله لا بد وأن يكون على شاكلته: عربيا جنوبيا قحطانيا ... ولا بد وأن يكون في هذه الحالة «دياب بن غانم».

فكلاهما يمني قحطاني.

ومن هنا جاءت المخاطرة الكبرى لسعدى ابنته لتقف في صف أعداء بلادها ضد أبيها الزناتي.

وهي تيمة أو فكرة رئيسية في فولكلورنا العربي السامي بخاصة، والعالمي بعامة للابنة خائنة أبيها، وبالتالي قبيلتها، واستطرادا وطنها وحماها، ومن هنا حق قتلها ولو من جانب حبيبها ذاته.

ففي السيرة المهشمة «الملك معروف ووزيره البين وابنه الشاطر حجازي»:

سيرة بني هلال · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٣٦