تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وراح على ذكره مديد آل سايع

إذا جفاك الدهر يوم بقربه

أمال عن الأجواد إن كنت ضايع

ولا تنزل إلا في بلاد رتيبة

بلاد العدية حولها السم ناقع

وشبانها تنقل السيف مع القنا

على كل طافح برعب الخيل قارع

وشيوخها ترمي العدا في المهالك

بالروح ما هو بالمسهمات القوانع

قولوا للطير الذي في بلاده

أيضا طيور قد تجينا تواجع

ما جاك يكسب الحمد والثنا

تجيني وتأتيني بفعل رواجع

يا دوابة إن كانت دنت منيتي

فأوصي ظريفا يجعل القبر واسع

وبعد موتي ابعثوا الكتب لأهلنا

عسى الخير منهم يجيكم مسارع

ولا أظن خبر يأتيك من بلادي

بلادي بعيدة سهلها والبقائع

أبي وأمي كيف ترى حالهم

ينتظروا رجوعي ولست براجع

ولا ولد من بعد مني بقى لهم

دعوهم بعدي يسكبون المدامع

وقولوا لهم عظم الله أجركم

ولدكم عامر عند ربه مطاوع

أوصيك يا حسن يا هلالي

دول يتامى ما لهم من مدافع

أنت شفوقا على اليتامى ومحسن

يعطيك ربك عاليات المواضع

يا أيها الطير الذي طار بالفلا

تسعا إلى الدهر الذي بك مطالع

تأكل ربيع بأرض مصر وزرعها

وتبيض بأرض العراق المواضع

سلم على أبي وأمي وقل لهم

يرضوا علينا في صلاة الجوامع

وأشهد أن الله لا رب غيره

فهو واحد وما له من ينازع»

وعلى هذا النحو جاءت مرثية الخفاجي عامر عقب اغتياله غدرا، وتوصياته لابنته، إن لم تكن إلهته الأنثى القمرية وكاهنة القبيلة - دوابة - باتساع قبره وبلاغ قومه فيما بين النهرين بموته وانتهاء منيته، وما أروع شعره! - القومي - حين يقول:

يا أيها الطير الذي طار بالفلا

تسعى إلى الدهر الذي بك طالع

تأكل ربيعا بأرض مصر وزرعها

وتبيض بأرض العراق المواضع

ويتضح من مرثية الخفاجي مدى التراكمات الملحمية التي تصنفها العصور، ملحقة ومضيفة، بما يذكرنا بمرثية التبع حسان اليماني، عقب اغتيال كليب الفلسطيني له داخل مخدعه بدمشق، ومرثية كليب ذاته، عقب اغتيال جساس بن مرة له، وكذا الزير، وبقية شخوص سيرتنا هذه عالية الهامة، السلطان حسن الهلالي، والزناتي خليفة، وأبو زيد الهلالي، وهكذا كسروا على الخفاجي عامر السيوف، واستشرى الزناتي في قتال الهلالية.

| أبو زيد يزور الأسرى في زي امرأة

وجاء اغتيال الخفاجي عامر فاتحة لعقد الهلالية المنفرط بموت قادتهم واندحارهم، ذلك أن الدور جاء هذه المرة على القاضي بدير بن فايد، وتبعه الأمير بدر بن غانم، الذي قطع الزناتي خليفة رأسه، وأرسلها وهو ما يزال في الميدان إلى تونس، لتعلق على بواباتها السبع إلى جوار رأس أخيه زيدان «شيخ الشباب»، ثم قتل ولديه الواحد بعد أخيه، نصر وعقل، الذي تشدد الزناتي خليفة بخاصة في قتله، واعدا كبار فرسانه في تونس بأن من يقتله سيهبه ابنته سعدى زوجة وحليلة، إلى أن قتله الزناتي بنفسه.

وكان أن بكتهما أمهما الأميرة «هولة» بأقوى مراثيها:

تقول فتاة الحي هولا الحزينة

بدمع جرى في الخدود بنار

على ما جرى فينا وقد أصابنا

والفكر والعقل مني طار

على عقل عقلي راح مستقرة

ويا نصر ما لي بعدكم أنصار

ونزلت دموعي كالأنهار الجارية

وجاني البلا قاصد الأفكار

يا دمعتي جودي واجري صبابة

على أخوين كانوا كالأقمار

فلو أن نهر النيل بالقلب يجري

وسيحون مع جيحون والأبحار

ونهر الفرات ودجلة والشط كلها

وعاصي وحمى كل نهير دار

على نار قلبي ليس يطفي لهيبها

وتزيد فيه حرقة وشرار

يا بنتي قومي اندبي طول عمرك

على إخوتك كانوا حماة الدار

فيا طول حزني كلما ذمت بالخيا

أن جاء دياب الحي وسط الدار

بل إن راوي السيرة لا يغفل وصول الإمدادات بالجند والعتاد التي دفع بها تحالف تونس والملوك المغاربة إلى الميدان، لصد جحافل عرب المشرق - الهلالية - وإيقافهم طويلا في حصارهم خارج بوابات تونس المنيعة، دون أدنى تقدم.

ولم يكن هناك من منفذ أمام التحالف الهلالي بعد إبعاد دياب بن غانم، بحجة حراسة «البوش» والإمدادات والأموال، سوى لجوء أبي زيد إلى الحيلة لاختراق الحصار، خاصة بعد أن رجحت كفة التونسيين في ضرب تلك المؤن واستلابها، وهي الحيلة الحربية التي دبرها الزناتي ذاته مع أحد فرسانه، ويدعى «أبو خريبة» وأنزل بها ضربة قاصية بإمدادات الجند والمهاجرين ومؤنهم، وبالطبع ذخيرتهم. «حين أمر الزناتي الركوب إلى وادي الغباين، ويحضر البوش منه، فركب من ساعته، وأخذ معه عشرين ألف فارس قروم عوابس، ولم يزالوا ضرب السيف فيهم، فقامت الرعيان بالعياط والصراخ، فلما سمع دياب سائرين حتى وصلوا إلى وادي الغباين، وغاروا على قوم بني هلال، وعلقوا ركب جواده، وطلعت فرسانه وراه، فلما التحمت الحرب بينهم بطعن الأعمار، فعندما قام دياب في عزم وضرب خريبة بالسيف فوقع على الأرض، ولما شافوا قومه أميرهم قتيل ولوا هاربين، فلحقوهم بني زغبة، ومدوا السيف في أعناقهم وأعدموهم أحبابهم وأصحابهم حتى وصلوا إلى عند الزناتي وأخبروه عن قتل أخيه، فاستدعى أخاه الثاني وكان اسمه مكحول، وقال له: خذ قومك وامض إلى دياب بن غانم، خذ ثأرك منه، وانهب بوش بني هلال، ومهما جبت من هؤلاء يكونوا هبة مني إليك، فركب بسائر عسكره مقدار خمسين ألف همام، وغار حتى وصل إلى الوادي، وكان دياب وقومه في الصيد، وما بقي من البوش إلا مقدار ألف فارس، فثارت عليهم الخيل، وساقوا البوش جميعه، فراح لصوت إلى دياب وأعلموه بالخبر، فعندها صار حتى وصل إلى القوم، وبرز إلى مكحول، وغار على قومه، وبدأ يذبح فيهم حتى مقدار عشرة آلاف فارس وهربوا الباقي حتى وصلوا لعند الزناتي وأعلموه بقتل أخيه.»

سيرة بني هلال · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٣١