وهكذا لم يعد أمام الهلالية، سوى الاستنجاد بذكاء أبي زيد وسعة حيلته، خاصة بعد أن أمر الزناتي «بإغلاق بوابات تونس في وجهه»، حين وقف تحت زغلة الباب والأبواب مسكوكة لا أحد يخرج ولا يطلع سوى النسوان التي فوق الأسوار يتفرجون، فعندما صاح في البواب افتح وأرسل مولاك، فسار البواب لعند الزناتي، قال له: قم كلم أبو زيد واقف بالباب يواجهك. فقال الزناتي: يا بواب من يقدر يشوف عزرائيل حتى يقضي روحه، هات المفاتيح التي معك. فعند ذلك أخذ مفاتيح أبواب تونس، وضعها عنده وخبأها، وقال: اقعد خلف الباب لا تفتح لأحد. فعاد البواب، وأعلم الأمير أبا زيد بالكلام. «ثم إن الأمير أبو زيد قال لهم: قصدي أعمل حيلة تسوي قبيلة، اندهوا للجازية. ثم إنهم ندهوا إليها، فحضرت بين أيديهم، فالتفت إليها الأمير أبو زيد، فقال لها: مرادي تجمعي مائة بنت من أحسن بنات العرب، وأحضريهن في الليل. فمن ساعتها أحضرت مائة بنت إلى الأمير أبو زيد، فقام ولبس ثياب بيض مثل النسوان، ولبس درعه، واتحزم بسيفه، وسار هو والبنات والجازية نصف الليل، إلى أن وصلوا بوابة تونس، فقال أبو زيد: اقرعي الباب. فنادى البواب: من يقرع أبواب تونس في هذا الليل؟ فقالت الجازية: نحن من بنات العرب جايين معنا بضايع لكي نبيع ونشتري من عندك على قدر احتياجنا. فقال لها البواب: روحوا ما أفتح لكم الباب في الليل. ثم إنها تدخلت على البواب فما فتح، وإنما راح إلى عند الزناتي وأخبره، فقال: روح إياك تفتح لهم أنا قرأت كتبهم قبل أن حضروا إلى هذه البلاد؛ لأن هذه الحيلة من حيل أبو زيد. ثم إن البواب رجع إلى عند البنات، وأخبرهم بما قال الزناتي، ثم إن الجازية ابتدأت هي والبواب وأشادت تقول: يا بواب صاره افتح للعذارى، حنا مشندر إلى حد السواره. - روحي يا ظريفة شاوري لنا الخليفة، له حربة رهيفة، تقسم الحجارة. - يا بواب منصور افتح باب السور، ندخل بدستور ونبيع العطارة. - المفتاح ما هو بيدي. - افتح كون طايع جبنالك بضايع، وتحف بدائع، تصلح للأمارة. - لا أفتح ولا شيء، ولا عقل بلاشي، وإن كنت عطاشى روحوا للبيارة. - يا بواب افتح الباب مصفح بالزينات، تصفح وتنظر للعذارى، افتح لي شوية، وشوف الحسن فيه، تجيك رزية، قدشك حمارة. - روحي يا مليحة أنا أخشى الفضيحة، رأتني تبقى مستريحة، وأنا أقع بنارة. - افتح لا تبالي، يا بواب افتح يا حبيبي، وجودك لا تغيبى، ارحم للغريبى كلنا بكارة. - السلطان حكالي، وقال لا تفتح ولال، ذول بني هلال من قوم مكارة. - افتح خاب ظنك خللي الهرج عنك.
قال: أخاف أفتح يجينا رجال طالبين، يجوا عابرين على ظهر المهارة والأمير غايب، ومن طلب المكاسب يقع في الخسارة. - افتح يا ابن عمي حتى يزول غمي، حزامي فوق تمي، تارة فوق تارة. - روحي يا حمامة لا تزيد في الكلام، خايف من سلامة حيلاته كتارة. - افتح يا أغانى، لا تزيدوا اللغاتى، جملتنا بناتى، ما فينا ذكاره. - سلامة معاكم سامع لغاتى، هو واقف حداكم مع بنات الأمارة.» •••
أردت من تقديم النص السالف للتحولات أو التقمصات لأبي زيد الهلالي والأميرات الهلاليات وعلى رأسهن الجازية، والتحايل على بواب تونس الذي أمره الزناتي خليفة بعدم فتحها ليلا للمتسللين خاصة، وجحافل بني هلال الغازية أصبحت تطوق أسوار المدينة وبواباتها السبع عبر حصار طويل لا بد وأنه دام سنين، على ذات نسق الحصار الهليني لطروادة المنيعة، ما دفع الغزاة في كلا الحصارين الشهيرين إلى اللجوء للحيلة وخداع لحروب.
أردت من تقديم الحوار الشيق بين البواب وعذارى بني هلال الحفاظ على مدى أحاسيسه النسائية الجياشة، حتى ليستشعر القارئ بأنه إزاء إيقاعات الأغاني الشعبية النسائية، وأن مؤلف مثل هذا النص لا بد وأن يكون امرأة أنثى، وهي إحدى السمات الرئيسية لأصالة نص فولكلوري عن خسيسه.