وهكذا ودع أبو زيد الأمير دياب بن غانم بأروع أشعاره دون إنقاص من قدره وقدراته:
كم وقعت أشفيت هلال
أنت يا زكي الجدود
لكن هيهات، ذلك أن مغتال أبي زيد عقب فتح الغرب وحكمه دون شريك، هو بذاته ... دياب بن غانم الزغبي.
وتشتد ضراوة المعارك بين الهلالية بقيادة أبي زيد والتحالف المغربي بقيادة الزناتي خليفة وأخيه الأمير الهصيص.
ويبدو أن أبا زيد الهلالي تفرد في تلك الوقائع بمبادرة اتخاذ القرار بالحرب وحده، عقب رحيل دياب بن غانم لحراسة المؤخرة، ذلك أن السلطان حسن استدعاه إثر غزوة أبلى فيها أبو زيد إلى حد قتل الهصيص، لكن دون مشورة، فجمع السلطان مجلس المشورة أو الحرب، وواجهه: «لماذا يا أبا زيد تقاتل القوم أنت بنفسك دون أن تخبرني، ما عدت تركب معنا.»
وأمره بالامتثال للسجن، ووضع قدميه في قيد الحديد بإرادته واختياره.
وبالفعل امتثل أبو زيد للقيد، ووضعه في رجليه، واقتعد صيوانا للسلطان حسن الهلالي.
لكن في صباح اليوم التالي، ما إن دقت طبول الحرب، وعلم الزناتي بغياب أبي زيد، حتى استشرى في قتال الهلالية.
إلا أن أبا زيد فاجأ الزناتي وقواده بنزوله المعركة، ورد جنودهم منسحبين مدحورين إلى أربع عشرة مرحلة أو انسحاب، إلى أن دخل الزناتي أبواب المدينة، وأغلقوها من خلفه، بعد أن خلع أبوابها بحرابه مشرفا.
| اغتيال الخفاجي عامر وابنته دوابة
وكما ذكرنا، فإن الخفاجي عامر شخصية تاريخية، ترد بسماتها مترددة في الكثير من المصادر الكلاسية العربية كأحد الملوك اليمانيين الذين حكموا العراق، وإنه آثر الانضمام إلى ذلك التحالف - القمري - الهلالي لريادة الغرب وفتحه، هو وأبوه الأمير الشيخ ضرغام، وابنته دوابة التي تسمى بها على عادة الآلهات القمريات، أبو دوابة، مثله مثل سالفه حسان اليماني، أبو تدمر التي أصبحت مدنا وحضارات تسمت باسمها - الطوطمي - تدمر، ومثل المهلهل أو الزير سالم أبو ليلى وأخيه الأكبر كليب - ملك العرب - أبو اليمامة، وهي بدورها «اليمامة» أصبحت مدنا وحضارات، مثل بقية أبطالنا، أبو وطفة دياب بن غانم، وأبو سعدى الزناتي خليفة ... وهكذا.
وتحفظ مأثورات الشعر الشعبي المصري والعربي الشفاهية، آلافا مؤلفة من أبيات الشعر الشعبي حول اتخاذ الخفاجي عامر قرار التخلي عن جاهه وسلطانه ومصاحبة الهلالية باتخاذ مكانه ومعه قبيلته، بأخذ المكان في الصف - العربي - فاتحا ومعربا، منها:
يوم غرب النجع
1
ياما بكى درغام
قال بيض الليالي مضت
واللي بقى صار غام
رايح تغرب يا أبو دوابة
وفايت الاصطبل والخيل فيه
ما بكى ضرغام وقال بيض الليالي
مضت واللي بقى صار غام
ما بكيت بنته دوابة وقالتلو
يا أبا أن شايفة عينك ع السفر حاتزول
ضرغام أبوك كبر وأمك شولة
عقلها حايزول
الغربة تربة يابا تقل الأصول وتزول
فقال النجع:
بطلي يا دوابة مع الناس دول حانروح
العلام أخويا وصاحبي بالروح
ومكتوب على باب تونس قايمة في اللوح
تفنى الخلايق وكل العباد حاتزول
وهكذا اتخذ الخفاجي عامر أو النجع قراره بالانضمام إلى التحالف الهلالي، حتى إذا ما اشتد أوار الحرب بين الهلالية، الذين وصلوا بزحفهم وحصارهم أبواب تونس السبعة، بنفس ما فعله الإغريق مع الطرواديين لذلك الحصار الذي دام عشرة أعوام.
ويبدو أن دفة الانتصارات قد تراجعت هذه المرة لصالح الزناتي وقومه أو تحالفه القبلي؛ وذلك أن دياب بن غانم أصبح لا يعتلي المقدمة، بل هو يحرس إمدادات الحرب ومؤنها - البوش - بوادي العباين حيث المؤخرة، وأبو زيد الهلالي يلتزم عقابه طائعا، وإن كانت السيرة تخبرنا في بعض المواقع بأنه كان مصابا أو ملسوعا، كما سيرد في شعر الخفاجي النجع.
ويبدو أن ثقل المنزلة والقيادة تولاها السلطان الهلالي حسن بنفسه. وأنه اندحر مرات أمام الزناتي خليفة، إلى الحد الذي دفع الخفاجي عامر إلى منازلة الزناتي خليفة، برغم تعرضه للكثير من المفاوضات والمساومة لخروجه من التحالف، والانشقاق عليه، والانضمام للزناتي وقومه، حيث إن الزناتي واصل انتقاماته من الهلالية متجبرا - كما يتضح من شعره التالي - بعد أن خلا الجو بغياب بطلي التحالف الهلالي، دياب وأبي زيد: