تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنت لنا يا أبو علي أسناد

وما إن قرأ سلطان بني هلال خطاب ماضي بن مقرب، حتى استدعى الجازية، وأخبرها بطلبه، فذعرت الجازية فكيف يحق لها الزواج، وهي زوجة الأمير شكر أمير مكة، وأن ولديها محمد وعمر، وهي التي ضحت بزوجها وولديها، لترافق قومها وقبيلتها، بمعنى أن ولاءها هنا إنما للقبيلة أولا قبل الزوج والأبناء.

وما فرقة الأولاد إلا مصيبة

فما يدخل عيني قط سهاد

وهنا أرسل السلطان يستأذن زوجها أمير مكة، وحصل منه على موافقة بالتخلي عنها للزوج - السياسي - القادم الفرمند حاكم مصر العدية.

وهكذا تم الزواج بالفعل بين الجازية، وذلك الأمير ماضي، وتصف السيرة الفرح أو العرس المصري على نحو لا يختلف كثيرا عما يتواتر ممارسته إلى أيامنا. «وكان الماضي قد زين القصر بأنواع الحرير والقماش الفاخر، واستقبلهم أحسن استقبال، ونزلت العروس عند الحريم، ثم دارت الحلويات وكاسات الشربات على مائدة الأمراء والسادات، وبعد ذلك حضرت سفرة الطعام، وفيها من جميع اللحومات كالضأن والدجاج. وبعد أن أكلوا وشربوا ولذوا، رقصت النساء والبنات، وغنت المغنيات بأنواع الأصوات، واستمر الحال والقوم في فرح وسرور مدة ثلاثة أيام، واتفق في اليوم الرابع أن استأذن الأمير حسن من الماضي بالمسير لبلاد الغرب، فقال الماضي: أيها الملك تقوم عندي في هذه الأطلال، فبلادي واسعة كثيرة المراعي والأوفق نبقى معا.» «ولما صممت بني هلال على الذهاب والرحيل، جعلت الجازية تبكي بدمع غزير؛ لأنه لم يكن صبر ولا سلوان على فراقهم، فلما زاد عليها الحال أكثرت من النحيب والأعوال، فانزعج الماضي، وسمح لها بالذهاب معهم إلى الغرب، ففرح بذلك الأمير حسن، وحالا أمر الفرسان بالركوب، فركبت الفرسان، وساروا قاصدين بلاد الغرب، فعند ذلك ركب الماضي بالفرسان، وساروا بصحبتهم مسافة 3 أيام، ثم حلف حسن عليه بالرجوع.»

وما إن وصل الهلالية تونس، حتى نزلوا بين جبلين بوادي مزهر اسمه وادي الرشاش.

وعلم الزناتي بخبر وصولهم على نحو - إثنوجرافي - ملفت، ذلك أنه طلب من ابن أخته الذي هو في موقع وزير داخلية تونس، العلام بن غضيبة المضي إلى الصيد والقنص، حتى إذا ما عاد بصيده ووضعه أمام الزناتي بادره: «يا علام، ما هذا الذي أرى؟ فلم يجلب لنا هذا الصيد إلا العجائب!»

1

فبادره العلام من فوره: «وأنا إقول إن ما جلب ذلك لنا ليس سوى العبد الذي حبست رفاقه

2 ... وها هو يحضر قومه بجحافلهم لاستباحة بلادنا.» وأنشد:

يقول الفتى العلام ولد غضيبة

لقد بان عندي يا أمير حروف

فهذا عربان الهلالي أبو علي

عليهم الذهب وهم قاعدين دفوف

هذا ملكهم ابن سرحان يا ملك

أمير ابن أمير سيد المعروف

وكالعادة، حاوطت المخاوف الزناتي خليفة، فجمع مجلس حربه، وعلى رأسه ابن أخته الأمير الملقب بالهصيص، الذي هون من مخاوف الزناتي، وهو الذي «تحت يديه أربعة وعشرون أميرا، وكل أمير يحكم على مائة ألف عنان»، وأمره الزناتي بإحضار قلم وقرطاس، وأشار إليه أن يكتب إلى ملاك بلاده على طول الديار التونسية والمغرب العربي، الأندلس وشبه جزيرة أيبريا بعامة وما بها من ممالك ودويلات، سبق أن غزاها ذات هذا التحالف العربي الهلالي، وفي طليعتهم الفينيقيون من شعوب بحرية لبنانية وفلسطينية وسورية، منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، حيث حطوا رحالهم أول أمرهم في قرطاج أو تونس، انطلاقا منها إلى إسبانيا والبرتغال، أو ما يعرف فيما بعد بالأندلس، حيث وصلت الدويلات أو المدن الدول العربية إلى 14، منها بنو الأحمر، وبنو طليطلة، وبنو الزيري، ومظلوم ... إلخ.

وهكذا ما إن اندلعت الحرب بين الهلالية، وتحالف الزناتي، حتى نازلهم في البداية أخوه الأمير الهصيص، الذي تولى منذ البداية تجميع تحالفهم القبلي على طول المغرب العربي والأندلس، كما يتضح من قصيدته هذه:

سيرة بني هلال · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٢٦