تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتستطرد السيرة في تقديم محصلة من المعلومات - الإثنوجرافية - المفيدة للمصريين وطبائعهم في ذلك العصر الوسيط.

وكذا المسجد الذي شاده الذي شاده السلطان حسن الهلالي بها والذي ما يزال موجودا إلى اليوم. «فلما رأى المصريون تلك الأحوال خابت منهم الآمال، وأيقنت الهلاك والوبال، واجتهدت أن تخلص جثة ملكها فما قدرت، وقد أهالها ما رأت وأبصرت وامحلت عزايمها، وتأخرت واشتد عليها الحصر، وخاب أملها في النصر، فرجعت وطالت مصر، وهي على أسوأ حال لا تعرف اليمين من الشمال، فتبعتهم بنو هلال على الأقدام، وفي مقدمتهم أبو زيد ودياب وزيدان شيخ الشباب، وحكموا فيهم ضرب السيف القرضاب على الأجسام والرقاب، حتى دخلوا البلد وهم في حالة الذل والنكد، فلما رأت أكابر المدينة والأعيان ما جرى، وكيف أن الفرمند شرب كأس الهوان، وما خرجوا إلى عند السلطان حسن بن سرحان، وطلب منه العفو والأمان، فأجابهم إلى ذلك الشأن، وأوصى الأبطال والفرسان، لا ينهبوا من أمتعة المدينة لا رخيصة ولا ثمينة، بل يكونوا في هدوء واحتشام إكراما لمزارات الأولياء، ومقامات العلماء والعظماء، وكان للفرمند، ولد مقتدر اسمه الأمير منذر، فأحضر إليه قبلة بين عينيه، ثم ولاه مكان أبيه بحضور أكابر البلد والذوات والعمد بعد أن أوصاه أن يتصرف بحسن السلوك، ويتخلق أخلاق الملوك، ثم قامت الأفراح، وزالت الهموم والأتراح، وكان السلطان حسن قد استحسن مصر كل الاستحسان لكبرها، وما فيها من الأبنية الحسان، فصمم أن يبني له فيها على اسمه جامعا ليكون ذكرى له على طول الزمان، فأمر البنايين والمهندسين ببناء الجامع المذكور في ظرف ستة شهور، فأجابوه إلى ذلك المرام، وبعد أن تم بتمام، أمر أن يفرشوه بنفيس الفرش، وينقش حيطانه بأحسن النقش، فامتثلوا أمره في الحال كما قال، فكان جامعا عظيم المنال، يزهو كالهلال، وكان مكتوب على بابه بالذهب هذا جامع الأمير حسن الهلالي سيد العرب.»

وبالطبع، فإن الجامع ما يزال قائما إلى أيامنا - كما ذكرنا - ويعرف بجامع السلطان حسن.

ولم يمكث الهلالية كثيرا في مصر، بل واصلوا رحيلهم إلى ليبيا، لكن في الطريق وقعت عدة أحداث، منها المشاحنات المتجددة بين العالية بنت جابر زوجة أبي زيد والجازية خاصة بالقرب من عيون الماء المتفجرة التي تسميها السيرة بالمخاضة، حين سبت الجازية العالية «يا عشيقة عبدنا»، وكانت تعني أبا زيد.

ومنها ذلك الحب المشتعل من فوره بين الأمير ماضي بن مقرب وبين الجازية، وحين حاول التقرب منها بالزواج، نصحه المقربون منه بطلب فرس دياب بن غانم «الخضرا»، وفي حالة رفض مثل هذا الطلب؛ لأن روح دياب بن غانم في فرسته هذه يطلب بدلا منها الجازية، مع ملاحظة توحد المرأة بأنثى الحصان، بل وأهمية فرس دياب هذه التي سيساوم حين موتها بأخذ تونس عوضا عنها ... إلا أن السلطان حسن الهلالي حقق طلب ماضي بن مقرب، وأرسل له الخضرا، فردها بدوره مع هدايا كثيرة، طالبا الزواج بالجازية:

يقول الفتى ماضي بن مقرب

بدمع جرى فوق الخدود بدار

أرسلت لك خضرا دياب بن غانم

وأبذلت فيها أموال ثم جياد

ونحن نعرف يا أمير مكارمك

وكفك سخي طول المدا مداد

وأنت نعم الطلب عالي الحسب

أريد منك النسك بلا ميعاد

أريد فتاة الجازية أم محمد

وهي بنت عمي بغيتي ومرادي

فخذ مني ميتين فتاة الجازية أم محمد

وميت حصان أدوجى شداد

وميت يمني حرير صنعة اليمن

وميت حمل من عمل بغداد

وميت عبد يا أمير وعبدة

وميتين سرية من الأعباد

وميتين مملوك من الترك أصلهم

وألفين سيف صنعة الهناد

وألفين حربة صنعة أبو جيارة

مركبة يا أمير على أعماد

وميتين درع يا أمير وخوذة

وألفين دبوس من البولاد

وخد لك ثمانين من الدراهم

ذهب مصري يعب للنقاد

مقال الفتى الماضي بن مقرب

سيرة بني هلال · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٢٥