تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا استتب الأمر لبني هلال في القدس وغزة، عقب وصايا السلطان حسن لحاكمها، وما إن دقت طبول الرحيل، حتى وقعت حادثة جديدة للأمير جابر والد زوجة أبي زيد العالية.

حيث تمكن أحد أمراء الشام وفلسطين، ويدعى البردويل بن راشد حاكم العريش، من قتله «بوسط عكا»، وسبى العالية زوجة أبي زيد، إلا أنه تمكن من قتله، واسترداد زوجته التي سباها ملك العريش، واتخذت الهجرة الجماعية طريقها إلى مصر.

| الهلالية في مصر

ويبدو أنه عن طريق العريش، وعبر برزخ السويس قدمت جحافل الهلالية المهاجرة الغازية إلى مصر - العليا - مرورا منها إلى ليبيا وتونس؛ لتحط رحالها في أرض تونس الخضراء، بحجة تحرير أسراهم «يونس ومرعي ويحيى» الذين احتجزوا بسجن القصر المنعزل البديع المطلي بالرصاص، للأميرة سعدى ابنة حاكم تونس وفارسها الزناتي خليفة.

وعندما وصلت الهلالية إلى مصر، كان قد مضى سبع سنوات على احتجاز الأمراء الهلاليين الثلاثة، وإيداعهم سجن سعدى، التي أحبت - الأوسط - مرعي إلى حد العشق.

هكذا يخبرنا الرمال المنجم الذي استقدمه حاكم مصر في ذلك الحين، ولقبه «فرمند مصر»، الذي رأى حلما أرعبه:

رأيت نارا أضرمت في بلادنا

قد أحرقت أشجارها وأكرام

رأيت سباعا ماليا السهل والفضا

ومعهم لبوات بحسن قوام

فوليت نحو القصر هارب مرتعب

ألا وطير أبيض على حام

ضربني بمنقاره وحط مخالبه

في وسط قلبي والدما قد عام

وعلى هذا فمن المرجح أن ذلك الرمال أو النجام الذي توجه إليه «فرمند مصر» بالاستشارة، كان يعمل لحساب بني هلال، ذلك أنه أعظم من شأنهم وقوتهم ناصحا بعدم التعرض لهم، وهم في طريقهم مرورا إلى تونس والمغارب، للإفراج عن أسراهم، ملما بتفاصيل أحداثهم:

محابيسهم عند الزناتي خليفة

لهم عنده مدة سبع أعوام

وعلى الفور قدم إلى الملك - الفرمند - حاكم الصالحية؛ ليخبره بوصول بني هلال، بل ودخولهم عليه في هيئة نساء سبايا هدية من سلطانهم حسن بن سرحان في أعقابهن أبو زيد الهلالي بلباس ومكياج مهرب الكواعب «قشمر بن منصور». «فاستبشر الملك وشرب كثيرا، ومدت الموائد، وعند ذلك غنت البنات، ودقت على الآلات حتى كاد يرقص القلب، وكان الملك وقعت عينه على الجازية فهام بها، وتعلقت نفسه؛ لأنها كانت جميلة المنظر، فأجلسها على جانبه، والتفت إلى أبو زيد: من تكون هذه يا قشمير؟ فقال: هذه الجازية ذات الوجه الحسن أخت الأمير حسن. فالتفت إليها، وقال لها: غني لي على الكأس يا صبية الجمال، فإن قلبي قد مال. وما زال يشتد عليها، ويتذلل إليها حتى أجابته إلى مناله، وأخذت تغنيه بهذه الأبيات تقول:

تقول الجازية بقلب محروق

فنحن اليوم قد جئنا هدية

هدية من أبي مرعي الهلالي

أمير البوادي والرمية

أخي ابن سرحان المسمى

أمير ابن أميرة برمكية

وجئنا لمصر عندنا حلائل

ولا عاد فيه رواح ولا مجية

تقول الجازية من قلب محرق

أيا حيف الزمان أحيف عليا» «فلما فرغت الجازية من كلامها، أطرب الفرمند من نظامها، وشرب الكأس عن اسمها، وهو يتأمل في محاسنها وبياض جسمها، ثم أمر قشمر أن يملى له كأسا آخر، فملأه وناوله إياه، فأخذه وتقدم وطفا بنت الأمير دياب، وقال غني على هذا الكأس يا بنت الأمجاد، فجعلت تغني وتقول:

تقول وطفا فؤادي اكتوى

بدمع جرى فوق الخدود غزار

يا أمير مصر اشرب واسكر بالهنا

وانظر بناتا تشبه الأقمار»

حتى إذا ما وصل حاكم مصر إلى أقصى نشوته، وضعن له البنج أو العقاقير، وأخرجوا فرسانهم من داخل الصناديق، بحسب الحيلة الطروادية الشهيرة، ودارت معركة داخل مخدع فرمند ذاته، تذكرنا بذات الخدعة التي أحدثها كليب الفلسطيني بمشاركة خطيبته الجليلة بنت مرة داخل مخدع التبع الغازي للشام وفلسطين، حسان اليماني.

إلا أن الحيلة هذه المرة لم تأت فعلها السريع، فامتدت الحرب بين الهلالية وفرمند مصر وابن أخته الأمير محمود، إلى أن قتل أبو زيد محمودا، وسقطت القاهرة في أيدي الهلالية الدخلاء.

سيرة بني هلال · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة بني هلالص ٢٤