تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالفرد الواقعي هنا سجين بحق لقوى خارجية تقهره على الدوام، وهي قوى لا تبعد عن أوهام ذلك الكائن الخرافي الجاثم المنكل على الدوام بدوره «البين وعياله»، الذي ستصادفنا مأثوراته الدامية على طول هذا الكتاب، وكذا بقية القوى الوهمية للزمن والدنيا والزهر والبخت.

وجميعها هنا تتوحد بالآلهة في أنها «تهب الرزق لمن تشاء بغير حساب»، كما تهب الجروح وأحط العلل والجوع المذري لمن تشاء في ذات الآن.

واللافت أنه بينما ينحو حقل الحكايات الشعبية والفولكلورية العربية، بالإضافة إلى السير والملاحم، منحى خرافيا كاملا؛ من إغراق في المخلوقات والكائنات والحيوانات الموغلة في بحار الخرافة، من جن وعفاريت ونداهات وأعوان وهواتف ورياح ومنفرات.

ويكفي في هذه الحالة تذكر سيرة ملحمية مثل بني هلال أو سيف بن ذي يزن، بالإضافة إلى ألف ليلة وليلة، وما يحفل بها من انقسام عوالم الأحياء إلى إنس وجن،

1

حتى إن التضمينة أو التيمة السائدة المتكررة حال ما يلتقي شخص بآخر فيبادره من فوره سائلا: إنسي ولا جني؟

الملفت أنه بينما تغرق الخرافة حقول وأنواع فولكلورنا العربي، خاصة حكاياته وسيره وملاحمه، تبرأ هذه النصوص الشعرية من معظم - إن لم يكن كل - الملامح واللوازم والعوالم الخرافية، والمخلوقات الخارقة وأوهام الذهن الخرافي بكامله.

بل يمكن القول إن الموال والشعر الفولكلوري بعامة يوغل في نقيض ذلك العالم الخرافي، وهو التحدث والتناول لتجارب واقعية ومعاشية، بل وعقلية إلى أقصى حد.

وذلك طبعا باستثناء الأشعار الدينية وأغاني ورباعيات وأهازيج أغاني التراتيل والتخمير الموغلة في الخرافة وبقايا الأساطير وأشلائها وأجوائها، خاصة حين تفرط في تمجيد وتجليات «ليلى» أو الليليث وآناثا الكنعانية - الألف الثانية ق.م - التي هي في موقع حواء الأولى، والتي تحلو لمثل هذه الأهازيج والتواشيح تسميتها بالإضافة لاسمها ليلى بعروسة الزار، وست البحار العوامة، وهو ما سنتعرض له بتفصيل أكبر في باب أغاني التخمير الدينية من هذا الكتاب.

وقبل الدخول في موضوعنا عن هذا الموال الأحمر الذي نحن بصدده، لا بأس من الاستطراد المطول في إيراد مجموعة كافية من النماذج والعينات المتفجعة الدامية لهذه الأشعار، التي ربما ينظر إليها قارئ اليوم على أنها في حكم «الأنتيكات الأدبية» المنقضية والمندثرة، وهي بالفعل أنتيكات أدبية أو شعرية؛ ذلك أن معظمها ضارب الجذور لا يبعد بنا كثيرا عن نصوص التوابيت الفرعونية ومنذ الدولة القديمة - عصر بناة الأهرام - وكذا كتاب الموتى، وما وصلنا من أشعار وتوجعات الدولة الوسطى المفتقدة إلى كل عدالة.

بالإضافة إلى أنها تضرب من جانب آخر في الطوطمية، فهي تتمثل بالثعابين والأبراص، ومفردها برص، أو دبيب، وتكثر في تمثل الجمال والسباع والكلاب كما سيتضح.

فلا غرابة إذا ما تفتح قارئ اليوم على مدى ذلك الواقع المسموم الذي أنبت هذه الأشعار والمراثي الذاتية الموغلة في القدم وعطب العلاقات الإقطاعية والتسلطية.

بينما الأمر لا يتجاوز ويعدو أنها كانت بمثابة الفنون والأشعار الجماهيرية واسعة الانتشار والتداول، منذ فترة جمعي وتدويني لها من قرى مصر الوسطى أواخر الخمسينات، سوى أنني نشرت بعضا منها في كتابي «أدب الفلاحين»

2

عام 1957، على ذات النحو البسيط التالي المتبدي في هذه العينات والنماذج من الموال الأحمر.

المجاريح وأفعال الزمان

فالموال الملتهب الذي يلوكه قائله ويتسلى به، ويتصرف على هداه أينما وجد؛ في فسحاية الدار، وفي الحقل، وتحت الكوم، ومع الرجال تحت السنطاية، ووراء حمار السباخ المريض، وفي كل مكان.

الموال هنا شكوى؛ فهو يشكو مرة للآلهة، ومرة للأهل، ومرة للطبيب والزمن، ومرة أخرى ليله الطويل الهامد الرخيص.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٩