وهو في كل مرة يكشف عما يعتمل في حياته وأعماقه وماضيه وأخطائه وأمانيه، وحاجته لنصفه الآخر.
وهو في كل مرة يبحث عن بداية للطريق، لكنه كثيرا ما يضل ويتوه، ورغم ذلك فلا يغرق أبدا أبدا، بل يواصل من جديد، ويبحث ويتلمس بداية تقوده إلى الطريق.
فقيود الشعائر المتوارثة، والمستعمر الإقطاعي، تزرع له الأشواك في كل مكان، وتبدأ بفكره.
وهو يعكس حياته هذه وتخبطه وسط بحر الغيبيات وانفعالاته في أغنيته الحزينة في الموال.
وتبدو الدراما الشعبية المتأصلة الفاجعة، التي يصنعها الوضع الاقتصادي المغلوط واضحة في الموال، فهو يقال بطريقة حزينة تميت القلب أشبه بالنواح:
وكل المجاريح طابت بس انا جاعد
وطبيب لجراح عندي بالسنة جاعد
ولا بقاش حيلتي يا طبيب غير شي
3
بس انا جاعد
والطبيب في الموال يرمز إلى القوى الغيبية، التي بيدها إصلاح الكون لو أرادت. وفي الموال القادم يسوق مثلا مفجعا عن كيف أن دبيبا، أي ثعبانا أو برصا سطا على طعامه وسممه بينما كان بسه أو قطه موجود «جاعد»، ودون أن يلتهم القط الدبيب أو الثعبان تركه يسمه في حضوره!
مفيكشي همة يا طبيب تداويني وانا جاعد
أمانة يا طبيب تداويني من دواك حبة
دا الدود يا طبيب نقط ع الفراش حبة
ومثل سمعناه من اللي قبلنا قالوه:
دبيب
4
سطا في الطعام كان بسنا
5
جاعد
والموال هنا حين يتحدث عن المرض، فإنه يتحدث عن جانب واقعي عريض من حياتنا وواقعنا المريض الماثل:
وكل المجاريح طابت بس انا أروح فين؟
وطبيب لجراح عندي بالسنة راح فين؟
وجرحي القديم نز بس انا أروح فين؟
نزلت دموعي على خدي أنا واحد
أنا بعد ما كنت في لمة وميت واحد
صبحت في اتنين ومن لتنين مات واحد
وشكيت وبكيت قالوا لي الناس متواحد
6
أنا كنت اجيلك يا دار معي لمة كتير أحباب
صبحت اجيلك ولا معيش ولا واحد
اسمع أقولك مثل يا طبيب
وهو اللي حصل واحد
قوللي على حرف واحد صاحبي مات فين
كل المجاريح طابت بس انا أروح فين؟
وهو يربط بين المرض وهزيمته للإنسان، وبين تأثيره على الأصدقاء والعلاقات التي تربط الإنسان، وكيف تنفض الناس عنه حتى أهله وزوجته:
لما ابتليت مجانيش ولد امي
وخليت من المال ما فيدي ولا دمي
وملقيتش دوايا حدا كافر ولا دمي
7
قاضي الغرام ادعاني قلتلو كالناس
أنا دخلت جوا البلد سرا أريد الناس
لقيت ابن العلالي وطي والندل فوق الناس
أنا عاشرت كل الملل حتى الغجر يا ناس
ما لقيت فعل العواهر ولا قرحهم على ناس
إحنا سمعنا مثل من كبار الناس:
الناس بالناس، كرهوني ولاد امي
وهو يتعامل مع الدنيا من منطلق دهري جبري، فهي في النهاية - الدنيا - تملك قدرات المنح والمنع والإذلال، مثلها مثل الدهر:
يا دنيا الشوم يكفيكي هزل بزيادة
ذليتي ولد عال كانت عليه العين بزيادة
وان خس مالي حدايا
8
احباب بزيادة
نزلت سوق الدلالة باشتري صبر بزيادة
بطلت كل الملاهي وسمعت كلام ناهي
ورضيت بحكمك عليه يا رب بزيادة
وفي الموال التالي يتحدث إلى «دنية الشؤم» وأفعالها السيئة معه، وكيف أذلته، وهو الولد المليح، حتى إنه مضى يبحث عن الصبر وفي النهاية سكن واستسلم:
يا دنية الشوم على المظلوم بتميلي
9
سيفك وقع طب على ابن الأصل بتملي
وليكي فعل بطال على الأبطال بتملي
مما جرالو صبح يبكي على روحه
والجرح منه اتسع فاحت كمان ريحه
الله ينعلك يا زمان ما بدلت خلوتي مرة
وسقيتني كاسين يا زمن كاس حالي وكاس مرة
شوف الغرورة الدنيا قالتلي تعالى جاري هنا مرة
دي دنيا حرة تبيع الباش بتميلي
10 •••
دنيا كما خيال بست حبال جراني
سقتني كاس صبر ريحته جبر جراني
وحلفت يمينين لشمت فيك جيراني
أنا قلت يا دنيا دا فعلك معي موش عال
ضربتني بالكاف
11
ما بين لكتاف جراني
أمانة يا دنيا دا فعلك معي بقى شين
12
أصلك بوشين على وحشين جراني
دنيا كما خيال بست حبال جراني
لكنه هنا يتصورها - أي الدنيا الجائرة - كوحش كاسر يكبله بستة حبال، ويؤذيه ويفعل معه أفعالا سيئة، ورغم هذا فهو لا يستسلم تماما، بل يسبها على أنها ذات وجهين، وكالخيال زائلة: