تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وكيف أنهم «منسبين» وهكذا.

فلعل جدلية هذا الموال الأحمر تتبدى في المحل الأول في مدى ما يعتمل فيه وداخله من تناقض، ويمكن القول تناقضات؛ أولا في ما بين شكله وإحكامه البنائي وجمالياته وقدرته على الإيحاء والتركيز وبين مضمونه ومحتواه، الذي قد يصب في نهاية المطاف مجمعا مجمل روافده لينتهي إلى تأكيد مقولات ومضامين موغلة في الانسلاب والانهزامية والاستسلام «الدهري» المتسق مع ركائز وميكانزمات العقل الغيبي.

ذلك برغم واقعيته المنكشفة حتى العظم ما بين تناوله للأوضاع الاقتصادية الطبقية المتقلبة، وبين الإفاضة في التعبير عن علل ومواجع حقيقية، أو هي فيزيقية، لأمراض تبدأ بالطبع من سوء التغذية، مرورا بكل داءات البلهارسيا والجذام والعجز والشيخوخة المبكرة، وما ينتج عن هذه الأمراض الجسدية من عصاب ويأس مفض إلى التراخي والاستسلام، وكل عطب المخيلة والذهن القدري بانغلاقاته وضيق أفقه، والاستكانة - لمخدرات ومسكنات - للصبر، وكافة منتجات العقل الجبري المحبط بكل مخاوف وانتكاس.

الفصل الثاني

| هذه الأنتيكات الأدبية الشعرية الجنائزية

قرابة ثلاثين عاما قضيتها جامعا وباحثا ودارسا لهذه المجموعة من المأثورات الشعبية والفولكلورية الشعرية؛ من مواويل ورباعيات ما بين حمراء وخضراء، أو تلخيص العالم بانقسامه الثنائي ما بين مواويل تتغنى بالأوجاع والآلام وضغوط الحياة ومأساويتها الملتهبة، وبين النقيض «الأخضر» للحب والعشق والتغني عامة بالحياة ومباهجها.

سنوات إثر سنوات ومادة هذا الكتاب تواصل تراكمها وأنا أعيد قراءتها، محاولا إخضاعها لتصنيف ما دون جدوى، برغم تكرار موضوعاتها التي لا تخرج عن التحدث ومعالجة عدة مأثورات أو موضوعات أو «موتيفات» محددة لا تعدو العشرة؛ ما بين الخسيس والأصيل، والردي أو الرديء، والمواجع والتوجع بالأمراض والعلل أو المعلولين، وكذا البين مرادف الدهر والزمن والدنيا والأيام وتقلباتها.

أضف إلى هذا الصداقة وتمجيد الأصدقاء والرفقاء وكاتمي الأسرار والمدارين عن العيوب والعلل والنواقص.

يضاف إلى هذا مواويل الحب الأخضر، والتغني بالمحبوبة والرفيقة، والكشف عن دفائن أمراض العشق، والتغني بجماليات المرأة وجسدها، والتعبير الصريح عن رغبات الجنس، بلا حياء برجوازي ملفق ومفتعل.

كانت تتملكني طاقاتها الشعرية، وعمق معانيها الخشنة المتفجرة الخصوبة والأبعاد، لكني في معظم الحالات والليالي كنت أقف عاجزا بإزائها، كيف يمكن إعادة الكتابة عنها؛ عن موسيقاها وإيقاعاتها الدفينة التي يقصر إلى جانبها قامة أي شعر - كلاسيكيا كان أو شعبيا - ينتسب لشاعر فرد بعينه؟

فهنا نحن بإزاء شعر الجماعة الذي صمد وامتحن أمام عصور إثر عصور، إلى أن اكتسب بصموده متجاوزا معوقات الاندثار وموانع اللاتواصل، إلى أن وصلنا بحالته هذه، بإيجابياته وسلبياته الخادعة المغيبة بالقطع، لكل حس تطوري بروليتاري، برغم أنه المعادل الأكثر توافقا وتعبيرا عن قائليه من فلاحين وفواعلية وعمال تراحيل وندابات محترفات وأناس تطحنهم عللهم ومواجعهم، أي البروليتاريا.

إلا أنها بروليتاريا مفتقدة على طول عصور التضليل التاريخية لقواها الخالقة المبدعة في اتجاه الثورة والتغيير لواقعها هذا الماثل المشبع بكل ظلم اجتماعي طبقي وأمراض واغتيالات يومية، وحديث عن الموت والندب الذاتي لا ينضب ولا يكل. كل هذا دون إدراك وتبصر بحقيقة الحياة الجوهرية، وما يعتمل فيها من مغالطات وتدليس، مصدرهما الواقع الاقتصادي والاجتماعي الجاثم المتخلف إلى حد توارث بعض البقايا - لعلاقات الإنتاج - العبودية إلى أيامنا جنبا إلى جنب مع الإقطاعية.

والتساؤل المقابل هنا هو كيفية وعي البشر من جماهير هذه الأشعار بواقعهم وإمكانياتهم وإرادتهم في تملك نواصي واقعهم المغرق في الكوارث والعلل، وبيع الإنسان «المنتج» في أسواق النخاسة.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٨