تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتبعا لما أسماه الفولكلوري الإثنوجرافي الفرنسي «فان جنب» ب «شعائر الانفصال» أو الغياب بالموت والأسفار، تشتد حاجة الأحياء إلى الحماية لحظة الجنازة والدفن، سواء بإحداث الإيقاعات والتراتيل الدينية والأصوات العالية الجماعية أو إطلاق الأعيرة النارية، التي هدفها إضفاء أكبر قدر من التحمل والالتئام والهلع من جانب الأحياء بإزاء الميت كلما علت هامته.

وعادة ما يعقدون حلقات إنشادهم في المقابر والاحتفالات الموسمية الدينية وطرق تغسيل الموتى وأساليب الدفن والتلقين، وما يجب أن يرد به الميت ثابتا في مواجهة محكمته أو محاكمته حين يزوره الملكان ليستجوبانه في قبره عن ربه ودينه، وكاره وذنوبه، وتوبته، وربما الطريقة التي كان ينتمي إليها، وأي عهد أخذ وعلى من من الأولياء، وشيوخ السجادة من أوليائه، بل ويصل الأمر إلى حد الإشارة والإنقاذ من جانب الملقنين للتحايل على الذنوب والخطايا.

كما أنهم يوجدون بدورهم - المنشدين - داخل محاريب المساجد وأماكن العبادة، ويكثر وجودهم وسمرهم وغناؤهم، الذي امتد إلى أجهزة الإعلام الإلكتروني من راديو وتليفزيون، في شهر رمضان، وما تزال لسوريا والأردن الصدارة في هذا اللون الإنشادي.

وبالمقابل يحتفى بهم إلى حد كبير حتى أيامنا في المغرب العربي وتونس، ويصل بعض حفظة هذه التراتيل الغنائية الكورالية إلى أقصى درجات الشهرة والهيمنة والقدرات الصوتية في السعودية وتونس، فهم عادة ما يتغنون - طبعا - بجمال النبي الجسدي ومعجزاته:

من معجزات النبي باض اليمام على العز

والورد فتح كرامة للنبي المختار

وابو حلاوة ينادي كل دار بدار

من كان ضمينه النبي لم شق جسمه نار •••

ياللي انت عيان ملكشي مش ويانا؟

قوم حوش مطاياك لا تعدي مطايانا

وسر تربة نبي زين بعيون كحلانا

ما مزين الركب إلا بكرتي وااانا •••

السيد

1

اللي من الشباك مد إيده

من بلاد الكفر جاب الأسير بحديده

في أول الليل يقرا الورد ويعيده

وفي آخر الليل يسلم ع النبي بإيده •••

فز العليل من منامه ملقيش حد جنبه

مابو جروحو ومابو طفل سهران به

دا كان معاه مال على طول الزمان كالبو

مابو جروحاتو ومابو الطفل سهران به

ها هو مريد الطريقة يستجيب لندائها متوسلا ومقسما، لكن بمن؟ بسر تربة «نبي طيبة».

ياللي ناديتوني أديني جيت

وسر تربة نبي طيبة

والحرم والبيت

تخلي نفسك معانا

إن رحت ولا جيت •••

دخل العريس ع العروسة

استعجبم يا ناس

حملت العروسة من العريس

استعجبم يا ناس

لقوا العروسة الجلالة

والعريس كلمة الإخلاص!

ويلاحظ توحد «الله» أو الجلالة بالعروسة الأنثى في المأثور السالف: «لقوا العروسة الجلالة.»

وكثيرا ما تفرط مثل هذه المأثورات في كيف أن كثيرا من القتلة وقطاع الطرق واللصوص قد أصبحوا بين عشية وما يعقبها من مريدي الطريقة وجلساء الأنبياء والأولياء، كذلك فهناك أناس لصوص ونشالون يفتحون ويقتحمون ويتهجمون على المنازل والناس عنهم «غفلانين»، ورغم ذلك يحرسهم الأنبياء والأولياء، بل ولهم في الجنة آلاف الأفدنة:

قولي على ناس حرامية وناس نشالين

يقتحموا في الضبب والناس غفلانين

إن كنت ولد شاطر تعرف الألف من الميم

هات لي خبر دول واللي حارسهم مين

حارسهم الخضر وإلياس ومرسي أبو العباس

وف جنة الخلد قاسو للهم الرجال فدادين •••

ياجي غاوي الطريق إيش عليك م الناس؟

عمك شديد العزايم يعرفوه الناس •••

خطر النبي الزين في وادي اليمن جمعه

ولربعة اللي اصطفاهم ربنا جمعا

قاللو تعالى يا علي صلي بنا الجمعة

ما سجد علي والصحابة ساجدين وراه

ياما أسلمت كهنة على يد النبي جمعا

وتصاحب الأناشيد الدينية دقات الدفوف العنيفة أو «الطار»، ويهتز على وقعها الرجال ذات اليمين وذات اليسار، كما في حالات الأذكار وجلسات التحضير والتخمير والزار وإنشاد وتلاوة النصوص الشعائرية بعامة.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٣٤