تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن حلقات ومسلسلات رواة السير والملاحم الشعبية، وشهرتهم الطاغية بإزاء مسلسلات الراديو والتليفزيون، حتى داخل رقعة فلاحينا الأميين، منذ تلك الحقبة القريبة على أيامنا المعاصرة هذه.

ولقد ساعدني بالفعل عدم الاكتفاء بالجمع الميداني «البارد» الذي لا يسمح لي بالتدخل ولو بإعادة الصياغة اللغوية، بل الاهتمام أيضا بتدوين الملاحظات على رواة المأثورات ذاتهم؛ من ندابين ومداحين وحكواتية ومغنين وممثلين شعبيين، بتسجيل أبرز ملاحظات عنهم وعنهن: الأسماء، الأعمار، العمل أو الكار، علاقتهم بما يحملونه من مأثورات.

من ذلك مثلا كيف أن من يتعرض لأن يؤدي دور شخصية شريرة كالبين، أو الزوجة الخائنة التي تدفع زوجها إلى العماء والقهر، كما هو الحال مع زوجة «القائد الأعمى»، يتعرضون لسخط الجمهور ومحاولات الاعتداء الجسدي عليهم بالضرب والافتراس من جانب الجمهور المشارك، الذي تستفزه أفعال البين والمرأة «الحية» وكل أفعال سالبة أو شريرة.

وكيف أن راوي حكايات خرافية دأب معي كل مساء أزوره - عقب صلاة العشاء - على قص حكايات ومأثورات تتغنى وتعلي من كل قيم المرأة المحبة الوفية، حتى في غياب زوجها عنها مواسم وسنين طويلة، حيث إنه يمتهن ويعمل مسامرا للملوك في أرض الشام، حين أعطته زوجته قبل سفره وردة بيضاء نضرة - تابو - لا تذبل وتموت إلا في حالة خيانتها له بالاضطجاع ومجامعة رجل آخر غير زوجها مسامر الملوك المحب.

وكنت أربط بين الراوي الكهل وبين زوجته الحضرية اللدنة المفرطة الجمال والإثارة، وهي إلى جانبنا تصنع لنا الشاي أدوارا إثر أدوار في ساعات جمعي لمأثوراته وأشعاره التي تصب بكاملها في منحنى متوحد المغزى هو وفاء الزوجة.

والأمر هنا ليس بشاق طالما أن الراوي ذاته يعمل في تجارة الحصر والمنتجات الخوصية بالعاصمة البعيدة عن بلدته، وحيث لا توجد زوجته الحسناء الشابة ويتغيب عنها بالشهور.

كذلك من ملاحظاتي على الآداب الدينية والشعائرية وجمهورها من الحرفيين بأكثر من الفلاحين المرتبطين بالأرض والزرع، بل إن من العمال الزراعيين والأجراء والمعتوهين والصنع من يتخذ طريقه مباشرة إلى بحار الدروشة والإغراق في الطرق الصوفية، وحلقات الأذكار والأوراد والزار، وجلسات التخمير والمخاواة.

بما يمكن أن يشكل إحدى ظواهر الشعائر - أو الطقوس - الهامشية الأقرب إلى أن تصبح شعائر تجميع تنتهي بالقطع إلى مدلولات سياسية.

وكيف أن المصابين بأمراض عشق المخاواة - أو الإنسي بالجنية - يفرطون في الميل إلى حفظ الأغاني والمأثورات والأهازيج الدينية التي تعرف ب «أغاني التخمير»، ويلاحظ الاشتقاق اللغوي وعلاقته بالخمر وأنهم عادة ما يقيمون فرادى أو عزاب في أماكن مظلمة أو لم تدخلها الكهرباء بعد. مع ملاحظة أن «المخاواة» ليست بقاصرة تماما على الشخص الأعزب، بل هي تلاحق أيضا المتزوجين، وعادة ما تتسبب في الطلاق والانفصال أو في نشوب ذلك الصراع بين كلا الجنية والإنسية، أو الزوجة المخاوية ساكنة تحت الأرض أو أعماق البحار وضرتها البشرية الفعلية الواقعية في الطبيعة، بل وفي ملف المحاكم الشرعية آلاف الحالات التي يرد فيها ذكر الزوجة الجنية المخوية باسمها وسماتها، وينشب الصراع الضاري.

كما أن من سمات المصابين بهذا العشق الإنسي للجنية ارتباطهم أكثر بما يسود من غيبيات في مجتمع أمي جبري، فهم لا يبعدون كثيرا عن جماهير الأذكار والطرق الصوفية وحفلات الزار ومنشدي دلائل الخيرات والأوراد في شكل كورس يرددون غناء جماعيا دينيا أو شعائريا محيطين بنعش المتوفى. وتشير كثرة أعدادهم بملابسهم «الفقهية» واتساع شهرتهم وأصواتهم كصييتة أو منشدين إلى مهابته - الميت - ومركزه الاجتماعي وعلو شأنه، بل وخوف الأحياء أنفسهم من سطوة الميت وتهجمه على الأحياء عبر لحظات متوترة مصاحبة لخروج تابوت الميت أو نعشه وتخطيه لعتبة داره، والطواف به على طول الطريق المؤدي إلى المقبرة، حيث قد تتعرج هذه الطرقات تبعا لزيارات الميت وما يبديه لحملة جثمانه الأربعة من كرامات وقدرات، تتضاعف تبعا لسطوته بين أقرانه من الأحياء وعلى مستويات عدة؛ من مادية اجتماعية وشعائرية أو دينية، كأن يكون مريد طريقة أو وليا أو شقيا أقرب إلى ما يعرف ب «الأبضاي».

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٣٣