تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرجع يوري سوكولوف

5

المواسم والبكائيات الجنائزية إلى عصور موغلة في القدم فيما قبل القبائلية، كاشفا النقاب عن ازدواجية الموقف من المتوفى من خلال ممارسة طقوس الدفن والجناز، بما يشير إلى الخوف من الميت وحاجة الأحياء لحماية أنفسهم منه عن طريق المبالغة في الإغراق في الأكل الجماعي عقب الدفن المعروف ب «السدة»، والإشادة بفضائل الميت ومناشدته بطلب العون، مثلما يتضح من بكائياتنا ونصوصها التالية: «يا سبعي، يا جملي، هات إيدك، يا عمود البيت، يا ضي القمر، ما انت مسافر - أو غائب - وتاركنا يتامى» وهكذا.

كما أشار إلى ما بها من تكرار، بل وعبارات هزلية لا تتفق ومراسم الجنازات.

وأشاد بقدرة الندابات المحترفات ومدى ما بها من طاقات شعرية، وكيف أن شاعرا مرموقا مثل «نيكروسوف» قد استفاد من إحدى المعددات في قصيدته «من يحيا سعيدا في الروسيا؟» •••

ولم يصادفني طيلة جمعي بكائيات أو عديد من ذلك النوع الذي عادة ما يصاحب الرحيل إلى الجندية أو الجهادية والحرب ومعاداتها، وتكثيف مثل هذه النصوص للأوضاع الاجتماعية والحياتية.

لكن صادفني خلال تعاملي مع الندابات المحترفات والهاويات أو الغاويات الظروف أو المراثي التي تقال حسب «حالة» الميت وعمره، سواء أكان ولدا لم يبلغ أو أنه بلغ، تزوج أو لم يتزوج، وكذا ما يتصل بالمسجوعات في حالة موت أب أو أم أو شيخ أو ولي أو إنسان سلطوي عالي الهامة.

كذلك تتدخل ظروف الوفاة متطلبة بكائيات بعينها، فالوفاة الطبيعية تخالف الموت في حوادث، كالحريق والاغتيال والأخذ بالثأر والكوارث القدرية.

وأكثر هذه الظروف والملابسات الفاجعة تتمثل في موت الشبان والشابات - البالغين - قبل زواجهم، حيث تجري مراسم جنازاتهم ب «المزيكة الحزايني»، وأحيانا بجوقة ندابات تشعل البلدة حزنا ودموعا لأيام.

ولا تختلف مراسم الجنازات في مصر كثيرا عنها سواء في المشرق العربي أو مغربه.

كما يتضح جليا في هذا الأنموذج لبكائية يمكن أن نحصل على نصوصها في فلسطين وبيروت والشام بعامة:

يومك يا بو فلان

ما تعشينا

كبينا العجاين

من بواطينا

على شيخنا

لنطيح ع بيروت

نطلعها سمعة

ونقدم البيوت

على شيخنا

لنطيح ع الشام

نطلعها سمعة

ونقدم الخيام •••

والخلاصة أنه في حالة أخذنا بنظرية عالم الفولكلور الفرنسي «فان جنب» بالنسبة لطقوس أو شعائر التفرق المصاحبة للموت، وحاجة الأحياء من أهل الميت وذويه إلى الأمن، بإزاء روح الميت واسترضائه بالبكاء، والأشعار الجنائزية، والأصوات العالية بعامة.

المراجع (1)

محمد قنديل البقلي: وحدة العادات والتقاليد بين مصر والشام، الأنجلو المصرية، القاهرة، ص188. (2)

نمر سرحان: أغانينا الشعبية في الضفة الغربية من الأردن، عمان، 1968، ص190. (3)

شوقي عبد الحكيم: أدب الفلاحين، القاهرة 1957. (4)

محمد المرزوقي: الأدب الشعبي في تونس، الدار التونسية للنشر، سنة 1967. (5)

يسري جوهرية عرنيطة: الفنون الشعبية في فلسطين، مركز الأبحاث الفلسطينية، 1968، ص119. (6)

المرزوقي: الأدب الشعبي في تونس. (7)

أحمد أمين: قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية، القاهرة، 1951، ص373.

الفصل التاسع

| أغاني التخمير الصوفية والمخاواة

ورغم أن الكثير من النصوص والمأثورات التي يضمها هذا الكتاب الانطباعي عن آدابنا الفولكلورية، ما بين بكائيات ومواويل خضراء وأغاني مسرح الأفصال، قد أكون جمعتها من أفواه حملة هذا التراث المتوارث منذ ما قبل الثلاثين عاما الأخيرة، وظلت حبيسة لدي أتحين فرص حفظها بالنشر.

برغم أن معظم هذه النصوص قد لحقتها أيدي النسيان والاندثار، ذلك أني لحقتها بالجمع والتدوين آنذاك، قبل أن يتعاظم دور الأجهزة الثقافية الإلكترونية، وأخصها هنا الترانزستور، كوسائل ثقافية بديلة؛ لا بد أن تضعف وتذوي سابقتها ربما إلى حد التلاشي شبه الكامل.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٣٢