تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا خسارة الفلاح نشاي الصجر

يضرب بالنبوت في العتمة الضكر

والميت الرجل هو عمود البيت:

يا عمود البيت

يا ضي القمر

فتقال البكائيات، أي - أي الندب - حزنا على الميت.

وهناك نساء محترفات يقمن بهذه العملية نظير أجور يدفعها أهل المتوفى.

ومن التقاليد المعروفة في بلادنا أن جنازات النساء المتشحات بالسواد من أهل الميت تمضي تطوف الشوارع والحواري، تتقدمهن «الندابة» المحترفة، والغرض من هذا هو «إعلان» حزنهن الشديد على الميت، حتى يعرف الكل أن له أهلا «وناس باكيين عليه ...»

وفي البكائية القادمة التي تصور حوارا مغرقا في الحزن بين ميت وأمه، ففي رد الميت عليها تتمثل رغبة الإنسان الجارفة وموقفه من الموت، حين يقول:

أشم الهوا واغير الملبوس

ويبدو وكأنه يناضل الموت، يصرخ، ويولول، ويستغيث، ثم حين تتمنى هي أن تتحول إلى سحلية، لكي تراه وتمسح جبينه كل صبحية:

الأم :

عيان يا عيان

أنا باسندك وقلبي عليك تعبان

يا عيان هات إيدك

أنا قلبي وجعني من كتر تنهيدك

يا عيان هات إديك

أنا قلبي وجعني وانا بطل عليك

عيان ولو مدة

وآخر العيا ورد على الطبة

عيان ولو زمان

وآخر العيا ورد على لكفان

القبر ضيق ولا يسيع طوله

ولا يسيع رفقة يخشوله

القبر ضيق ولا يسيع رجليه

ولا يسيع رفقه تطل عليه

الميت :

يا عيزاني

4

افتحيلي القبر بالدبلة

أشم الهوا واغير البدلة

يا عيزاني افتحيلي القبر بالدبوس

أشم الهوا واغير الملبوس

الأم :

يا مين يعملني في القبر سحلية

وامسح جبين الجدع في كل صبحية؟

والندابات طبقة محطمة تماما، أصبحن يعاملن عبر ربع القرن الأخير فقط كالزانيات سواء بسواء، وذلك من حيث وضعهم الاجتماعي في أريافنا.

فالناس يكرهونهن وعلى الأخص الرجال، ويحطون من عملهن، ويقولون عنهن: دول ملاعين، جسمهم لن يعرض على جنة!

وفي بعض الأحيان كانوا يضربونهن، ولا يدخلونهن بيوتهم ففي هذا فأل سيئ.

ولهذا لم أتمكن من جمع شيء يذكر من «الندب» لصعوبة الاتصال بالندابات من جهة، ولخوفهن الشديد، الذي يصل إلى حد الرعب والإنكار على طول الخط من جهة!

ومما يؤكد ذلك الخوف أن الحكومات المحلية في الأرياف تطارد الندابات وتفرق جنازات النساء.

وهناك قصص كثيرة تتحدث عن الندابات وما كتب عليهن، فالناس مؤمنون بأن «الندابات والغوازي والعاهرات» مكتوب عليهن أن يولدن ليؤدين هذه الأعمال المخزية. •••

ومن القصص الطريفة التي تدور حول الندب والندابات، يقال إن جنازة من جنازات النساء التي تسير وتلف البلد كما هي العادة كان فيها اثنتان من الندابات، واحدة اسمها «شمس» والثانية تدعى «هدوة».

ومن عادة أهل الميت أن يكرموا العطاء للندابات، فجاءت ابنة المتوفاة برطلين أو ثلاثة من اللحم «لحم السدة» وغمزت بهم شمس، فأخذت شمس اللحم ولفته لكن «هدوة» لمحتها، فمضت تلطم وجهها وتقول:

وده إيه يا اختي اللي بتلفيه؟

وده إيه يا اختي اللي بتلفلفيه؟

فأجابتها شمس «مطمئنة» إلى أنها ستعطيها نصيبها، مولولة نادبة:

دا نايب يا اختي وليكي النص فيه!

وصرخت النساء في حرقة: يا لهوي! •••

وحتى سنوات قريبة كانت تمتلئ قرى مصر وأريافها، بالإضافة إلى المجتمعات البدوية العربية، بهؤلاء الندابات المحترفات، وكان البكاء الجماعي والنواح تسبقه جنازات نسائية راقصة، تصل إلى بضع مئات النساء المتشحات بالسواد والنيلة، يطفن شوارع البلدة ودروبها حول الندابة الأم المحترفة، وهن يرقصن رقصات جماعية جنائزية محددة الإيقاع يطلقون عليها رقصات «الأسية»، فكن يدرن على أقدامهن وهن في شكل دائرة محيطة بالندابات يلطمن خدودهن راقصات مغنيات على إيقاعات الدفوف الخشنة العنيفة.

ويذكر فريزر أن ما تبقى إلى أيامنا من كلمات وتشبيهات شائعة عن الميت في مصر، هي بذاتها ما تبقت متواترة من ندب إيزيس وأختها الربة الندابة المحترفة «نفتيس» على الاغتيال الموسمي السنوي لأوزيريس، من جانب قاتله ومغتصب عرشه ست أو ستخ أو طيفون.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٣١