تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتنتهي الدورة بالحتمية المعهودة التي هي الموت، أو الغياب و«المرواح» كما يسمى في البكائيات.

والبكاء والعديد ليسا وقفا على وقوع الموت عند النساء من غير المحترفات، فكثيرا ما كنت أفاجئ أمي تندب وتنوح في وحدتها بصوت شبه هامس، وأذكر أن هذه كانت حال النساء العواجيز والمسنات من قريباتي.

ومثلا عندما ترددت على إحدى القرى البسيطة الواقعة على مشارف إقليم الفيوم من ناحية بحيرة قارون، تعمدت نزول هذه القرية في مطلع النهار، وفي يوم معين يقام فيه سوق البلدة القريبة، ويرحل إليه أغلب رجال هذه القرية والكثير من النساء صغار السن، ولا يتبقى منها إلا العجائز والمسنات والكلاب الضالة.

وللعزبة حكايات وقتية متجددة، تتناقلها النسوة في المجالات النسائية، وهي أشبه بالأسرار.

ويتناقلها الشبان والعجائز في مجالسهم وسمرهم.

ولقد ظلت النسوة يحدثنني عن «أم سلطان» ويصفونها بأنها: وعارة، وشايلة كتير ... وبتندب في الموت.

وعرفت منهن أنها ليست ندابة محترفة بقدر ما هي غاوية، وقالوا لي إن كبيرا من أهل العزبة يدعى «حميدة أبو إدريس» طلب منها يوما قبل أن يموت قال: يا أم سلطان، لما حيفرغ أجلي وأموت حتقولي عليا إيه؟

قالت:

لبسوا الجبابي الزين

والمسك علينا فاح

يادي الندامة اليوم

على احسن رجالنا راح

فبكى الرجل قبل أن توافيه المنية.

وقالت «أم مقبولة» يوم أن مات:

ما تقوم تكلم واحد كبير جالك

تقضي أقوالك

عليك قضية

تسدها وتعود

تسدها وتطلع غزالة بحيرة

وعندما يكون الميت شابا يقولون:

شاب يا عود القرنفل

يا روايح للتياب

قالولو يا شاب روح

قال نويت على الغياب

يا شابنا يا كبير

جودك علينا زي بحر النيل

يا شاب عاود لهم عاود

دا انت طويل البال ومهاود

والميت الزوج هنا يحذر زوجته من أن تخون عهده بها، فتتزوج وتزدهر وتينع نوارا، كناية عن الخلفة وإنجاب الأطفال.

فتجيبه الزوجة أنه هكذا شأن الأحياء قليلي العقل، الذين سريعا وفي التو ما ينسون ما قطعوه على أنفسهم من عهود:

هو :

اصحي يا بت تخوني العهد

تزفي وتجيبي نوار

هي :

تم الحي جليل عجيله

في توا ينسى اللي صار

وفي هذه الأشعار الجنائزية عادة ما يكثر التخاطب مع العين، أو العين الحارسة:

إنتي يا عين جهلتي ليه؟

إنتي ما ريتي غير اليوم

إنتي ما ريتي «فلان»

1

اللي غايب لا عدا اليوم؟

وتتحدث البكائية التالية عن فرس الميت، وتدعوها ب «الحمرا» مثل مهرة أبي زيد الهلالي.

كأني بك يا حمرا أصبحت تيممين ناحية رياح الندابات، فلقد غاب عنك وطواه الموت ذلك الذي كان يعرف ويقدرك حق قدرك، فيملأ لك «عبارك» - أي مربطك - حتى حافته، وإن خس الكيل من التبن والشعير زاده قمحا:

كنك

2

يا حمرا بتصيري

تحت ريح الندايات

غاب اللي يعرف مقدارك

يملا لحد عبارك

وان خست من القمح يزيدك

والبيت العالي ذو الشباك، الذي أقسم بأنه لن يفرح ويزهو إلا إذا ما عاد صاحبه، أي الميت:

البيت العالي بوشباك

حلف ما نزهى إلا إن جه

ويلقب الميت ب «الغالي»:

يا بوابة يا منهابة

صوت الغالي

مهوش فيكي

وليس هناك أروع وأبلغ من لحظة تصوير الاستسلام للموت في هذه الشطرة:

مدوا أياديهم

واستمتلوا

3

للي جرى فيهم

كما أن من المألوف تصوير الموت وملاكه - عزرائيل - بيده منجله، الذي يحش ويقطع به رقاب العباد كما يحش نبات الملوخية:

حشيتهم يا موت حش الملوخية

اللي بارم شنبه لية على لية

وهدومهم ع الغسل مرمية

والندابة هنا تعاهد الدف أو «الطار» الذي تضرب به، قائلة إنها ستشتري له حنة وتحنيه إذا ما عاد بالميت الغالي.

إنها ستظل تضرب بدفها إلى أن يعود، وستعمل من ضفيرتها معلاقا له - الدف - ولن تلقي به أبدا:

أحيه يا طاري

إن جبت الغالي

نشتري حنة ونحنيك

ونعمل قرني لك معلاج

ونعاهد ما نرميك

وهن هنا يبكون الفلاح منشئ الشجر والحياة، ويصفونه بأنه شجاع غير هياب، يضرب بسلاحه الذي هو نبوته في خضم العتمة الضارية:

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٣٠