أبويا؟
الأب :
دي ماتت.
شفيقة (تروح تتأمل ما حولها وتصرخ) :
احنا في النهار.
الأب :
غابت، غابت.
شفيقة :
أنا شايفة كل حاجة.
الأب :
أبدا.
شفيقة (بجنون) :
دا نهار.
الأب (يواصل حكايته) :
الليل كان نزل.
شفيقة :
دا نهار، مش ليل، والشمس ماليه الدنيا، الشمس ع البيوت ع الصجر، على بيتي.
الأب :
والعين معدتشي تشوف، وهيه مشيت على طول، على طول ع السكة، ومكنشي فيه رجالة.
شفيقة :
أنا متأكدة، وعنيه لسه في وشي.
الأب :
أول ما حطت رجلها على السكة مشيت على طول.
شفيقة :
واللي بيزورني منهم بيزورني بالليل في عز العتمة.
الأب :
ومرجعتشي.
شفيقة (تأكد لنفسها) :
بعد نص الليل، وميكونشي فيه حد صاحي.
الأب (لنفسه) :
وهوا فيه ميت يعود؟
شفيقة :
غيرها، شفيقة.
الأب :
ومن يومها ما رجعتشي، راحت في السكة (يتهاوى على كرسي)
واللي يروح ما يرجعشي.
شفيقة (مبتعدة عنه - لنفسها) :
أخويا وأبويا؟! بالليل وبالنهار وأنا نايمة وأنا صاحية بشم هوا الدنيا؟
الأب :
يا خوفك يا شفيقة من السكة.
شفيقة (متوترة - تتفرسه) :
أبويا؟
الأب :
راحت، راحت (يحكي)
كان بعد المغرب، والليل كان نزل واللي تمشي، تمشي بالليل (ينتصب واقفا ويرفع صوته مؤكدا)
ومترجعشي، من ساعة ما تحط رجلها ع السكة، خلاص.
شفيقة :
أبدا، أبدا، محصلشي، ودا نهار (تبتعد عنه وتتأكد لنفسها)
وأبويا ما يجيش كده في النهار (ترتبك)
وكمان دا مش ليل، والعتمة لسه هناك.
الأب (لنفسه) :
ليه كده؟ ليه؟
شفيقة (تحاول معرفة شيء) :
بالنهار؟ بالليل والنهار؟ دا كتير (تنادي)
يا هنادي، يا هنادي، يا هنادي. (فترة)
الأب (لنفسه) :
أبدا، مش ممكن، مش هيه. (فترة)
هيه راحت في السكة (يتذكر)
وفاتت عليه، وأنا آعد في الضل (يتحسر)
ومقلتشي العوافي، مقلتشي.
شفيقة (لنفسها) :
في الضل؟
الأب :
تحت الجميزة، عند الطاحون، جنب السكة.
شفيقة :
من خمستاشر سنة (منكسة)
لسه فاكراها، لسه شيفاها الجميزة.
الأب :
ومبصتشي وراها، مشيتي على طول، وأنا آعد في الضل، تحت عنيها.
شفيقة (تتفرسه) :
أبدا، مش هوه!
الأب :
عيني كانت عليها، وقلت دي رايحة البيت، وماشية من السكة البعيد، بعيد عن الدكاكين، وعترت وهيه بعيد، كانت حاتقع في الأرض، قمت وقفت على حيلي وناديت عليها. (ينادي بلا صوت ويأتي الصوت من الخلف، من بعيد، من الكواليس.)
يا شفيقة، يا شفيقة. (صمت) ، (بصوت هامس يواصل الأب)
مردتش، نصبت قامتها، ووقفت شوية، ومشيت على طول.
شفيقة (تندفع ناحيته فجأة) :
أنا كنت حاتلفت، وأقف، وأرجع لبويا.
الأب :
أبوها مسمعتشي كلامه، وموقفتش عشان تشوفو، اللي وراها، اللي آعد في الضل، وعنيه ع السكة، هناك، اللي متجبشي (بمرارة)
واللي يروح فيها ما يرجعشي، ومتشوفوش بعد كده البيوت، والناس، والعنين.
شفيقة :
يا ريتني كنت وقفت، ورجعت!
الأب :
هيه سكة واحدة، واللي يروح ميرجعشي. (صمت) ، (يقطع الأب المسرح منكسا متجاهلا وجودها)
مفيش غيرها بس اللي رجعت.
شفيقة (مفزوعة) :
مين؟
الأب :
واحدة غازية قلولي عليها، سمعتهم بيقولوا (يظلم المسرح شيئا فشيئا، تعلو موسيقى يتخللها كلام الرجل)
طول عمري باسمعهم يقلوها، حكاية الغازية. (فترة)
بيقولوا إنها كانت موعودة، بيقولوا الكلام، حكاية الغازية الموعودة. (طرقات دفوف رتيبة بطيئة، فترة، ثم يضاء المسرح إضاءة خفيفة محددة ثلاث بقع ضوئية، في الطرف الأيمن للمسرح تقف شفيقة في ضوء شاحب خفيف أزرق ، في الطرف الآخر - الأيسر - يقف الأب في ضوء شاحب خفيف - أزرق. في الوسط - إلى الخلف - بقعة حمراء تقف فيها غازية بكل ملامح الغازية القديمة في أعماق الريف، نحيفة سمراء تقاطيعها مصرية جسدها شبه عار.) (الحائط الخلفي للمسرح عبارة عن قطاع في حارة، خليط من جو سامر ورسوم شبابيك مفتوحة وبيبان وعيون مفتوحة، كلها تطل على الراقصة المنكسة تحت الضوء. والرقصة هنا خليط من رقص الغوازي على قليل من التعبير، والمفروض أن الراقصة تعبر بالرقص عن القوى القدرية، الغريبة، تلك التي تفرض على الإنسان.)