في دراسة مثل هذه الظاهرة أو النسق انفتاح على بنية كاملة، ووصلت العلوم الأنثروبولوجية في دراستها لهذا النسق أو البناء القرابي سواء على المستوى البدائي أو القبائلي في مجتمعات العالم خارج الغرب خاصة أو أستراليا وأمريكا اللاتينية، أو داخل المجتمعات الغربية المعاصرة؛ وصلت إلى حد من الدقة الرياضية. فمثل هذا النسيق القرابي مثل بقية الأبنية الاجتماعية في تساندها الوظيفي من الاقتصادية والسياسية، بل إن في دراسة أي نسق أو بنية اجتماعية على حدة خاصة أضلاع هذا المثلث التي تتحكم في المجتمع - أي مجتمع - من قرابية واقتصادية وسياسية، والتي لا تحقق غايتها إلا في تساندها مع بقية الإنسان.
فدراسة أي نسق لا يصح أن تجري بمعزل عن بقية الأنساق والأبنية التي تؤلف البناء الاجتماعي كنسق متكامل هدفه تحقيق التساند الوظيفي والطبقي، وهو ما عرفه دوركاييم بالتركيبات المورفولوجية، وعرفه ماركس بالتركيبات السفلى والتركيبات العليا.
ومن السهل تصور أن التركيبات العائلية - بل لنقل القبائلية - تتبدى بوضوح في «نص» نعي الميت من تشابك أو اتصالات عائلية أو قبيلية، أو بدنته أو فخدته، أو بقية الأعضاء العائلية بما يقود إلى شجرة العائلة - أو نخلتها - عند العرب الساميين.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن في دراسة البناء القرابي في علاقاته المتبادلة مع بقية الأنساق تبصيرا بالبنية الطبقية الاقتصادية والسياسية - كما قلنا.
ومن هنا فليس مدخلنا إلى دراسة النسق القرابي المصاحب لشعائر وأغاني الانتقالات الجوهرية - الميلاد، الزواج، الموت - أو من المهد إلى اللحد على مستوى العالم العربي أو المنطقة السامية، بهدف التوصل إلى نتائج عنصرية، أو إزكاء النعرات القبائلية الطوطمية في معظم حالاتها.
وهو ما تتوسع فيه الدراسات العبرية اليهودية، ربما بإيقاع قرن إثر قرن منذ كوزمولوجي سفر التكوين - أصحاب 4 - بدءا بآدم أبي البشر «يوم خلق الله الإنسان على شبه الله عمله».
بل لقد ظل نسق القرابة متواصلا داخل التراث العبري متواترا، وتصر على تدعيمه وإحيائه كثير من القبائل الاثني عشر العبرية الأولى، ومرة ثانية من مدخل تنشيط دراسات نسق القرابة، وعلى مستوى بلداتنا العربية بهدف استيضاح البنيان الطبقي والقبلي، لا بهدف التوصل العنصري المفضي بالضرورة إلى الفاشية، ستوقفنا مثل هذه الدراسات على واقع بنياننا السكاني والاجتماعي.
فليكن الهدف هنا هو الدخول إلى أخذ ميادين العصر الكبيرة وهو ميدان الاتصال.
فكما يقول ليفي شتراوس: «يجب أن تخضع دراسة القرابة والزواج لبعض المناهج التي تنبع مباشرة من نظرية الاتصال.»
ولعل الملمح الأساسي لتقدم الأنثروبولوجيا الاجتماعية منذ القرن الماضي كانت زيادة الانتباه إلى البناء أو النسق القرابي، ويرجع هذا التقدم إلى عبقرية لويس مورجان في كتابه الرائد في هذا الميدان عن «أنساق روابط الدم والمصاهرة في العائلة الإنسانية» عام 1871، وأسهمت هذه الدراسة في وضع أسس الدراسات الأنثروبولوجية والقرابية، إلى أن اكتملت هذه الدراسات في علوم الاتصال، ثم ما تلا ذلك من جهود العلماء الاجتماعيين في هذا المجال البكر، مثل: لومي عام 1948، ومردوك عام 1949، وسبوشر عام 1950، ودراسة العالمين الكبيرين راد كليف براون وفورد، وجميعها بالطبع تعتمد اعتمادا كبيرا على الدراسات الميدانية، أي التوسع في جمع المعلومات والبيانات، وهو ما نطالب به بالنسبة لقيام مثل هذه البحوث في مصر والعالم العربي، على أن تجيء مثل هذه الدراسات مستهدية ومرتكزة على الجهود الضخمة التي بذلت منذ مطلع هذا القرن، والتي يرى ليفي شتراوس أنها لم تثمر كما يجب رغم غزارة مواردها وبياناتها الأنثروجرافية المتصلة باختبارات الزواج وأنماطه من داخلي وخارجي، ومن أبوي وأموي، بالإضافة إلى كيفية تنظيم العائلات والعشائر والقبائل، وبقية النظم والمعتقدات الطقسية والدينية واللغوية، بل ويمكن القول بأنه حتى لعب الأولاد، أو نظرة الألعاب التي كان كروبير أول من لفت الأنظار إلى أهميتها عام 1943، فساعد أكثر في إيضاح النسق القرابي.