ومن المفيد الإشادة بالدور الذي أصبحت تلعبه بعض الدراسات الميدانية لهذا الفرع.
وقد يكون للدور الكبير الذي لعبه راد كليف براون بشكل خاص بالنسبة للدراسات البنائية في عمومها، وبالنسبة للنسق القرابي خاصة؛ أهمية جديرة بالتوقف عندها، ففي دراسته الميدانية، ومنهجه في التصنيف بالنسبة لنظم القرابة في أستراليا، أو في اكتشافه للقوانين المتحكمة في نظام القرابة عند قبائل كاييرا، والتي كما يقول شتراوس: «ستبقى إلى الأبد واحدا من أعظم النتائج في الدراسات الاجتماعية البنائية 1930-1931.» اعتبرت مقدمة براون الرائعة لكتاب «أنساق القرابة والزواج في أفريقيا»؛ خطوة متقدمة نحو إخضاع نظم القرابة في العالم الغربي لنظرية عامة في التأويل على مستوى عالمي. كذلك دراسته المتفرقة عن مصطلحات القرابة وسلوك الأقرباء: السلوك المصاحب لأطوار العمر الثلاثة من ولادة وموت وزواج، كيف تتصرف الأم والأعمام والخالات خلال زواج ابنة أو طلاقها، أو موتها أو حملها ... إلخ.
السلوك المصاحب لعادات الاقتتال والثأر، أو المصاحب لتصرفات الأسرة والعشيرة في حالات مولد الإناث أو الذكور، وزواجهم أو زواجهن.
ففي أهمية دراسة السلوك داخل النسق القرابي، كما يقوي أولى ما يشير، ويكشف عن جوهر النسيج الاجتماعي، مثل ملاحظة ظواهر التزاوج الخارجي - وارتباطه من جانب آخر بظواهر وسمات محددة. مثل: تأثير مكان الإقامة أو الحقل الميداني موضوع الدراسة سواء أكان قرية أو مدينة، أو كانت بيئته بدوية أو زراعية على البنوة، وعلى عادات المباح والمحظور من التزاوج والعلاقات الجنسية.
ولقد اعتبر شتراوس أن من أغراض نظم القرابة وقواعد الزواج التي يسودها تناسق وظيفتها في اتجاه حفظ بناء الجماعة عن طريق الربط بين علاقات كلا الدم وعلاقات المصاهرة، بل ومن أهدافها إخراج النساء من العائلات التي ينتمي إليها برابط الدم، وإعادة توزيعهن على جماعات أخرى.
ففي رأيه أن النساء في أحسن حالاتهن أحد مستويات الاتصال، وعلى ذلك فمن الزواج إلى أبلغه يمر المرء من سرعة اتصالية منخفضة إلى سرعة اتصالية مرتفعة.
كذلك يتمكن راد كليف براون أن يصل في دراساته إلى وضع مصطلحات أو قوانين لها عموميتها، ولها ميكانيزماتها المحددة، سواء بالنسبة للزواج والاحتفالات، وسلوك أبناء العمومية في المجتمع الذكوري، وأبناء الخالات في مجتمع أموي، وكذا أوضاع الحموات وأقارب الزوجة والعكس.
ويتفق براون مع مالينوفسكي في أن الروابط البيولوجية وروابط الدم هي في ذات الوقت الأصل الأنموذج لكل نمط من أنماط القرابة، وإن كان لم يرفع نظرية القرابة إلى مستوى نظرية الاتصال كما فعل شتراوس.
إلا أنه يتفق مع ماكلينان ومالينوفسكي في أن «تنظيم العائلة الذي يسود فيه حق الذكر في كل مكان قد تم بفعل قوة أساسية هي حق الملكة.»
وبالنسبة إلى البناءات الطبقية، وصكوك الملكية، ونظم التوريث، وعلاقتها بالبناء القرابي والمصاهرة؛ فإن الأمر يصبح أكثر وضوحا، فكما يقول وارنر، فإنه «من المستحيل في بعض الحالات أن ينتمي أي فرد تلقائيا لطبقة معينة.» ووصل الأمر بلوبد وارنر إلى حد أنه افترض أن الأهالي يدركون ويفطنون إلى العلاقات البعيدة جدا بالنسبة لنظام القرابة، داخل أنموذج أو طراز «مورنجن» الذي انتهى به إلى علاقات رياضية، أو قوانين أثارت الكثير من الجدل، كنظام محقق لحاجات ومطالب الزواج والنظام الطبقي، على اعتبار أن أولهما في خدمة الثاني. •••
وفي حالة التوريث يمكن الرجوع إلى فكرة الفصل بين الأبوة البيولوجية والأبوة الاجتماعية، كما حققها إلى حد الحسم مالينوفسكي خلال دراسته الميدانية على بعض قبائل أستراليا، وسكان جزر الشروبرياند في غينيا الجديدة - قبل أن تحقق انقلابها الثقافي الحضاري الأخير - حيث إن الرجل لا علاقة له بإنجاب الأطفال، ولا يعتبر أبا، بل مجرد زوج للأم، كل دوره هو أن «يحمل الطفل بين ذراعيه»، ويرعاه ويحميه، ومن هنا لا يرث الابن أباه، بل إن وريث الأب هنا يشترط أن يكون ابن أخته؛ فالتوريث يتم عن طريق سلالة الأم، وبذلك يرث الرجل خاله وليس أباه، كما إنه يورث أولاد أخته وليس أولاده.