تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو السدنة الجدد، وكيف يقومون بتأدية شعائرهم تحت عدسات التليفزيون والصحف الصفراء، بنفس ما

عرف عن أول ملك كاهن مداح جاهلي، وهو عمرو بن لحي الجرهمي، وكان شاعر أسطوري ينسب له: «إن

ربك يتصيف باللات لبرد الطائف، ويشتو بالعزى لحر تهامة.»

ولا شك في أننا أصبحنا هنا في عالمنا العربي في مسيس الحاجة إلى هجرة محققة من نقيض إلى

نقيض، أو من السلفية إلى المستقبلية، أو كما يحدث في أوروبا نواصل تحولنا من الزراعة إلى

الصناعة، أو من الماضي إلى المستقبل. ذلك أننا ونحن ندخل مجتمع التصنيع في مسيس الحاجة إلى

حتميات ثقافية وعقلية موازية أو متعادلة مع مستلزمات وحتميات العصر الذي نعيشه. ربما بنفس

المعدل الذي حدث بجزيرة مانوس، في مواجهة غينيا الجديدة، كما تقول العالمة الأنثروبولوجية

الأميركية د. مارجريت ميد، وهي الجزيرة التي انتقلت من العصر الحجري إلى القرن العشرين في

جيل واحد.

ولما كانت الأساطير - في منشأها وغاياتها - تأليها لعناصر الطبيعة من برق، ورعد، ورياح،

وسحب، ورعود جوية أي فينومولوجية، بما يشمله التعريف من ظواهر مناخية، وإحيائية بيئية؛ أي

تأثير الظواهر المحيطة في مخيلة الإنسان البدائي، الشبيه بولد يتفتح على العالم، وهو ما

يتبدى واضحا في تراثنا القديم، وبقاياه المسايرة في تراثنا المعاصر من إغراق في إضفاء

مظاهر القدسية على الجبال وقممها، والصحاري ومجاري الماء من بحور لآبار لعيون ماء راكدة

عفنة، لا تخلو منها مدينة أو قرية على طول مصر والعالم العربي، وما يشاع حول هذه -

المزارات أو الأضرحة - من الآلاف العطنة من تدمير للصحة العامة من بدنية بخاصة

وعقلية.

فيترتب على تأليه وتقديس الظواهر الطبيعية والبيئية المحيطة، وما يستتبعه هذا من صراع

النور أو الخير مع الظلام والشر، وهو المنهج التطوري الذي اكتمل بعد الدارونية والذي أكده،

بالنسبة للأنثروبولجيا تيلور ومعاصره أندرو لانج، وفريزر، (خاصة تفسير تيلور أو سبقه إلى

اكتشاف مدى سيطرة العادة داخل المجتمعات الغيبية، بما يحقق ثوراتها لأدق دقائق حياتها

وطفولتها الأولى)، حين أراد تفسير ظواهر الطبيعة القاسية من حولهم، خاصة هنا في شرقنا

الأوسط الحديث أو شرقنا الأدنى القديم، فلعل الاختلافات البيئية والظواهرية والجوية هي

المخصب الرئيسي لهذا التراث الذي اكتملت فيه الأديان الثلاثة الرئيسية في عالمنا: اليهودية

والمسيحية والإسلامية.

فجغرافية المنطقة كما يشير د. جمال حمدان، تجمع ما بين دالات الأنهار في دلتا مصر

والعراق، أي المجتمع الزراعي، الذي قدم تفسيره الأزلي السائد إلى اليوم عن الموت والقيامة

ممثلا في أساطيره عن الآلهة الممزقة التي اكتملت في المسيحية.

والمجتمع الصحراوي المجدب القبلي، مجتمع الإغارة واعتبار الحرب نوعا من الصيد، وبالطبع

يصل هذا المدخل القبائلي الفاشي عند الجبليين سكان الجبال إلى حد أن تاريخ المنطقة، قديمه

وأوسطه ومعاصره، لا يعدو أن يكون تاريخ حرب وإغارة وتنكيل ممتد، خاصة في بؤرة هذه المنطقة

الشام وفلسطين، وأينما وجدت موارد المياه أو «الأيلات» - نسبة إلى إيل أو كبرونس - ومنها

ميناء إيلات. وبالنسبة لميناء جبل أو جبيل بلبنان الذي يتعاظم دوره السلفي المتخلف في حالة

الكتائب، فهي على طول تاريخها مجال نزاع دائم للمئات من القبائل والحضارات والأجناس

المتطاحنة.

ويلاحظ أن اقتصاد غرب البحر المتوسط بعامة عبارة عن بنيان مقسم الأجزاء لأقاليم - أو مدن

دول - يصل فيه الجبل حتى البحر الذي يصنع كثيرا من الأجزاء المنفصلة المعزولة التي يوجد

فيها سهول صغيرة غارقة في الجبل، فالماء بالضرورة كان هدف الإغارة والحرب الأول، طالما أن

الأرض قد تتحول إلى مستنقع إن لم توضع وسائل تصريف المياه، أو إلى صحراء إن لم ترو

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٩٩