التغيير والتشكل بما يحقق التوافق والاستجابة للحتميات العلمية والعقلية، وبما يوفر المزيد
من الإنتاج والتقدم، ويتوهم مع عصر ما بعد العلم أو فوق التصنيع كما يقولون ويعلنون؟ وعلى
الأقل، ليكن هذا التساؤل مطروحا بالنسبة لعالم ما خارج - العالم الثالث أو النامي. ليكن
هذا التساؤل مطروحا بالنسبة للعالم المتحضر على كلا الصعيدين الديموقراطي الشعبي،
والإمبريالي.
ذلك أن تكبيل تركة الماضي الغيبية البدائية القبائلية، المتوارثة منذ عصور ما قبل العلم
والعقل، وتوارثها من جيل لجيل - تحت تأثير العادة - ما تزال تتحكم في مخيلة شعوبنا وتطبع
حياتنا - حتى - المعاصرة.
ولنتذكر جيدا مدى إحباط ولا جدوى العمل الثوري في أرض هذا التراث، ما لم نعاود الالتفات
الجاد المحايد إليه.
وهو ذلك المنهج الذي بصرت به المدرسة التطورية الديمقراطية الثورية الروسية، التي وإن
ركزت - أو هي تمادت - في استخلاص عوامل الاحتجاج الاجتماعي والميول الثورية أو الإيجابية في
الفولكلور، إلا أنها بصرت بمدى عرقلة هذه الموروفات التي تعيش، وتتوالد تحت تأثير وسلطة
العادة مدعمة بخدمة أغراض طبقية، في حجم الاستعمار بل هي كل الاستعمار اليوم، وهذا هو بعينه
ما يشكل أظلام وشرور الموروث من فولكلور وأساطير، خاصة شقها الغيبي البدائي التي قامت على
أساس ما عرفه تيلور بالأنيمزم، بمعنى إضفاء صفة الروحية على الظواهر الطبيعية المحيطة
بالإنسان وأفعاله الشعائرية، وفي اتجاه الامتثال لحتمية مسار التاريخ الإنساني.
مع الأخذ في الاعتبار بأن تشابه المادة الخام - من بيئة وظروف اقتصادية واجتماعية - يؤدي
بالإنسان إلى الاستجابة للتشكيل العقائدي والعقلي، وبالتالي السياسي.
فمثل هذه الدراسات كما يقول لينين مهمة وضرورية في دراسة النفسية الشعبية في
أيامنا. «ولم يكن شغف ماركس - وانجلز بشكل خاص - ولينين، بالفولكلور، والأساطير، في دراساتهم عن
العائلة وأصلها، لمجرد المتعة، بل على اعتبار أنه سجل تاريخي حتمي للمعرفة بالعمل السياسي
وإدراك مساره ووجهته الصحيحة.»
فعن طريق التحليل الجدلي - للواقع والموروث الثقافي - نصل بالطبع إلى توجيه العمل الثوري
توجيها سليما، فالقوانين الطبيعية للمجتمع التي جاءت وعبرت عن غيبته ولاعقلانيته العمياء
لم تجئ اعتباطا أو هي ولدت وتكاثرت ووجدت لمجرد الصدفة العشوائية كما يرى - مثلا -
كراب ومعظم الدارسين الليبراليين، فهي إنما جاءت وتكاثرت وازدهرت لتؤدي وتحفظ وتقدم خدماتها
لصالح الطبقة صاحبة السلطة وبالتالي أدوات «الإنتاج» والثقافة، حتى ولو اقتصرت هذه الأدوات
- الثقافية - في العصور الحجرية والطموطمية على النص الحجري أو الشفاهي المتواتر بدءا من
الحفظ والتحفيظ والإنشاد وسحر اللغة الشعرية - الشعائرية - التي زاوجت أو هي اشترطت توحد
الكاهن بالملك بالمداح ممثلة، وخادمة لأوضاعه الطبقية، منذ عصور الظلمات أو الإظلام، وهي
بذاتها ما تواصل سريانها وفرض سلطتها، لخدمة أغراض طبقية جديدة باستخدام «أدوات» الإعلام
والثقافة - الجديدة - من راديو وتليفزيون، والفرق هنا ليس غامضا أو بعيدا بين شيوخ
القبائل العربية البائدة والقديمة، وشيوخها الجدد من ملوك البترول، أو بين دعاة الإغارة
والإبادة القدماء، والمتشددين - جدا - في حروب اليوم - على كلا الجانبين - ودون فهم
للواقع والبقاء الموضوعي، وما يستلزمه من توافق متواز بين وسائل الإنتاج من ناحية، وعلاقات
الإنتاج وما تتطلبه من بنيان علوي يتمثل في السياسة والتراث والفكر القائم عليهما من
الناحية الأخرى.
فدفاعا عن المصالح الطبقية، تشرع الأسلحة دفاعا عن التراث - الأنيمزمي - الذي سماه
كافكا بالوهم، أو حراسة الوهم، وبالطبع، فإن الهدف الأخير هنا هو حراسة مصالح الملوك الكهنة