بالماء، وعلى هذا فأساس حياة الفرد والقبيلة في الشام وفلسطين هو البستان، وليس
الحقل.
وكما يقول الجغرافي الفرنسي فرناند موريت، فهي بلاد تجبر فيها تضاريس الأرض سكانها على
العمل والصبر والدأب، كما أنها بلاد يعتبر البحر فيها الطريق الأسهل للتجارة، والترحال،
فجغرافية الأرض المقسمة إلى دويلات متناحرة، نتيجة لحدودها الطبيعية من سهول وجبال وصحاري،
أي مناطق جفاف، وفيضانات ماء ورياح، ومساحات شاسعة خربة، كل هذا فرض نظام القبيلة والعشيرة
وما يتبعهما من إغارة وإبادة، وفقدان للأمن، وهو ما تبدى واضحا في أساطير وفولكلور هذه
المنطقة المغرقة في القبلية العصبية، التي عرفت شارة الصليب المعقوف قبل أن تعرفه ألمانيا
الغاربة الفاشية، بأكثر من 30 قرنا من الزمان.
وعلى هذا فأساطير وفولكلور منطقتنا هي في المحل الأول أساطير وفولكلور القبيلة.
وبالطبع يمكن القول بأن الجسد الفولكلوري لمختلف فولكلور العالم، هو في أدنى أشكاله
قبائلي، أو هو ما يزال إلى اليوم يحتفظ بملمح القبيلة، بمعنى أن القبيلة هي أدنى أشكال أي
مجتمع بشري، ومن تجمع عدة قبائل واصلت اتحادها، تحت أقوى شعاراتها أو شعارها، أو طواطمها أو
آلهتها إلى أن تصل في مجموعة القبائل - المتحدة أو المتحالفة - إلى درجة الأمة أو
الحضارة.
ووصل البعض من أصحاب النظريات الطقسية أو الشمسية - مثل روبرت جريفز ورفائيل بتاي - إلى
حد الدفاع عن أن انقلابا تقويميا عاما قد صاحب معظم قبائل العالم القديم من خلال
تحولها من عبادة القمر - أو الآلهة الأنثى القمرية - والسير بتقويمه - القمري أو الهجري -
إلى عبادة الشمس - أو الإله الأب الذكر - والأخذ بتقويمها - الميلادي - فيما بعد واعتبار
السنة 365 يوما.
وذهب البعض الآخر من أصحاب النظرية الأنثروبولوجية في تفسير الأساطير، إلى مدى أكثر
عمومية تحت تأثير التطور - النوعي - الدارويني، والاستفادة من المادية التاريخية، على
اعتبار أن معتقدات وأفكار الناس إلى تطورها التاريخي تجيء - مجبرة أو حتمية - لتطور بيئتها
ووسائل إنتاجها وعلاقاتها الاجتماعية. أي إن تغير البناء التحتي - الاقتصادي والاجتماعي -
يستوجب بالضرورة تغيير أفكار ومعتقدات وأساطير وعادات وممارسات وأخلاقيات ونظم قرابة وتزاوج
وشعائر وقوى غيبية؛ أي كل ما يتحكم في حياتهم من أبنية اجتماعية.
وعلى هذا فمجتمعات العالم القديم، في مراحل التكون القبلي أو العشائري، قد عاشت في مختلف
البيئات والمناخات الجغرافية - من مجتمعات زراعة ورعي وجبل وبحر - والمقصود بالعالم القديم
هنا هو مجموعة الحضارات والقبائل العربية أو السامية القديمة، وهو ما يتضافر في الكشف عنه
اليوم، مجموعة مترابطة من العلوم، أهمها طبعا علما الأنثوجرافيا، والتاريخ.
وعن هذا الطريق يمكن تعريف الحضارات التي شهدها شرقنا الأوسط وتحديد معالم وخصائص كل
منها؛ ذلك أن الحضارة كما يعرفها عالم ما قبل التاريخ جوردون تشايلد، تقوم على ما يستخلصه
الإنسان من غذائه ومجتمعه الإنساني وكافة نواحي السلوك الإنساني، من لغة ودين وفلسفة وأخلاق
وقانون، بالإضافة إلى أدوات الإنتاج التي يستخدمها، فعن طريق التكيف مع البيئة أو قوى
الإنتاج أو مصادر الثروة الطبيعية تتحدد الحضارة، ومن هنا وبالضرورة تدين سماتها ومعالمها
للبيئة وطبيعة المكان.
وهذا هو هدفنا، البيئة واختلافاتها وتنوع مصادر القوى الإنتاجية لعالمنا العربي، أو منطقة
الشعوب السامية.
وكما سبق أن أوضحنا فإن الاختلافات البيئية وبالتالي المناخية، تظهر بوضوح على طول هذا
التراث وهذه البقعة من العالم منذ فجر التاريخ، من صراع بين الحضارة «الزراعية» في دالات
الأنهار، وبين البداوة ومجتمعات الرعي والصيد والإغارة.
ويتركز هذا الصراع بأجلى معانيه في الأسطورة - الأم - التي حددت أجناس شعوب وقبائل