تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين يهونون أو هم يتعامون عن مدى الأخطار التي قد يقودنا ويعرضها لها تراث ما قبل

العلم هذا، وهو التراث الذي لم تنكسر شوكته، بل لم يصبه ويعتره التغيير والتفهم

الواقعي - كبناء من التناقضات - بالقدر الذي يسمح بحل أحجيته وطلاسمه، وبالقدر - حتى -

المتوائم أو المتقارب مع تغيير علاقات الإنتاج الذي اعترى عالمنا، ولعل أبسطها التحول

البترولي الرأسمالي، الذي لا يستقيم أبدا مع محاولات طبع الماضي على الحاضر، خلال مجرى

عمليات الخداع للحفاظ على ما يسمونه - على أحسن الفروض - دعاة الجبرية التاريخية والتراثية،

بروح التاريخ، وهو الذي ليس في حقيقته «سوى روح هؤلاء السادة»

2

أنفسهم كما يقول غوته في تراجيديا فاوست.

وإذا ما كانت «الأرض الموعودة» أو الخلاص، يمكن في المستقبل، بالنسبة لمفهوم المستقبلية

عند توينبي وغيره مثل د. مارجريت ميد.

فإن مفهوم العالم السالف أو القديم وبؤرته شرقنا العربي عن الخلاص والمستقبل، يجيء

بالضرورة غيبيا أسطوريا يوطوبيا أشبه بانتظار جودو، وذلك حين «ينزل عيسى إلى الأرض،

وكان رأسه يقطر ولم يصبه بلل، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، وتقع الأمنة

في الأرض، حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقرة، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان

بالحيات»، كما يقول الدميري وغيره من الكلاسيكيين من العرب.

وإذا ما كانت الإنسانية التي نحن جزء من حركتها العامة، خاضعة تماما لقانون تطورها

العقلي؛ ولهذا حققت انتقالاتها - على كلا العالمين الشرقي الاشتراكي، والغربي الإمبريالي -

من الفكر اللاهوتي الطوطمي - الأنيزمي - إلى الفكر الميتافيزيقي الفلسفي، ثم من الفكر

الميتافيزيقي إلى الفكر الوضعي النفعي، طمعا في تحقيق أقصى منفعة ممكنة، تعود بالنفع على

الناس وواقعهم، وفي اتجاه تملك الإنسان - العاقل - لواقعه وجدلية وجوده.

وعلى هذا يصبح من المفيد إعادة تفهم واقعنا والوقوف على حقيقة متناقضاته، بنفس النهج الذي

حققته المجتمعات الصناعية، وما فوق الصناعية، منذ عصر التنوير، فهدفي الواضح من هذه

الدراسات، لا يقف بحال عند صدى الماضي وسحره وجاذبيته الخارقة، ممثلا في الموروثات

والممارسات والمقولات الفولكلورية والأساطير، أو بمعنى تأصيل الحاضر بخلفية الماضي، حيث

مولد الحضارات المصرية الفرعونية - خاصة الدولة القديمة - ونظيرتها - تاريخيا - الحضارة

السومرية اللاسامية، التي توارثتها الشعوب السامية - اللغوية - التي اكتملت اليوم في

العربية والعبرية.

وأعترف أنه تراث شديد الغنى متدفق، ذلك الذي ابتدعته مخيلة تلك القبائل السالفة القديمة

التي بؤرتها وبوتقتها شرقنا الأدنى القديم أو الأوسط المعاصر، ذلك الذي انصهرت عبر بلدانه

روافد كلتا المخيلتين الهائلتين، السامية والآرية، التي وهبت العالم - المعاصر - عقائده

الروحية الكبرى، مثل اليهود والمسيحية والإسلام، بالإضافة إلى البوذية وإلى التراثين

الفارسي المجوسي، والهليني - الأسطوري العقلي - وهو ما أقيمت على أشلائهما الحضارة

الرومانية والتي وجهها المعاصر أوروبا اللاتينية اليوم.

فالإغراق في سحر وجاذبية ذلك الماضي، يوقع الباحث بالقطع ويقوده إلى حيث براثن التعقب

السوفيتي، والنعرات القومية.

وهي بالطبع تلك النظرة المثالية، التي صاحبت مولد علم الفولكلور وملازمته للطموحات

القومية والإحساس العنصري والتفوق القومي، ذلك الذي اكتمل في الدعوات السلافية والآرية -

الهندو أوروبية - ووصل ذروته في النازية الهتلرية.

بل إن اهتمامي ينصب في المحل الأول على مدى انعكاس طرق وميكنزمات واحتياجات وحتميات

الحياة السالفة، على مفهوم الحياة والعالم في حياتنا المعاصرة .

ويمكن طرح السؤال على النحو التالي: إلى أي مدى جاءت استجابة هذا التراث - لحتمية -

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٩٧