المغيرة، ما يبرره منذ الجاهلية - 5 آلاف عام - وعصور الظلمات.
أما اليوم فلنا أن نتصور اللامحدود الذي صاحب تطور الأسلحة، من عصا ومقلاع وخيول وسيوف،
إلى مدافع وذرة وهيدروجين وميكروبات وأجهزة إنذار مبكر.
وبحسب نهج المنظمة الدولية للثقافة وشعاراتها، فإنه إذا ما كانت الحروب تنشأ أو تومض في
مخيلة البشر، فإن من الإمكان إقامة حصون السلام، وهذا يستلزم بالطبع إعادة صيغ المخيلة،
خاصة السامية، ونظيرتها الآرية التي أبلت العالم بشرور حربين عالميتين في مدى النصف الأول
من هذا القرن، إلى أن انحسرت وانكسرت شوكتها، مسلمة دورها ومخيلتها - القبلية - لتوأمها
المتاخم والمتوازي - السامية.
بل كان للسامية والساميين - الذين يدعي اليهود أنهم طلائعها - دورهم أيضا في مسببات
ودوافع هاتين الحربين العالميتين الشنيعتين.
ويجيء اليوم الدور على السامية، بعد إفلاس النظريات الآرية القبلية الفاشية التي تبلورت
في النازية الهتلرية، التي كان أحد بلاياها ومسبباتها المفهوم اللاهوتي الغيبي في تدوين
وتفهم التاريخ - الثقافي - والتي لم تنظر أبدا للفرد على اعتبار أنه كائن سياسي، وأن الهدف
الأخير للاهوت والمنزلات والمعتقدات - قد يكون - خلاص الفرد، لا المجتمع والدولة، كما يرى
توفيق الحكيم ويحيى حقي ولويس عوض، ومن مدخل ومفهوم أن الهدف الأخير للتاريخ هو التوصل إلى
طبيعة العقل، فالتاريخ ما هو إلا صراع دائم من أجل الحرية - مرادفة العقل - التي أدرك
زعيمنا الراحل جمال عبد الناصر أنها - الحرية - لا تتحقق بمعزل عن التحولات الاقتصادية
والاجتماعية ولقمة عيش الناس خاصة في مصر؛ حيث مشاكل الانفجار السكاني العاتية
المستعصية.
فيمكن استخلاص المسببات الفعلية التي اكتملت في النازية الهتلرية وبؤرتها هذا التراث
المتزاوج الآري السامي - الأنيزمي - الروحي، وكما هو معروف فإن نظرية «تحقيق الروح» ما هي
إلا حركات مضادة مباشرة للعقل، فالروحية والطوطمية اتخذت من الدم والأرض هدفا بلا معايير
عقلية، وهو ما كانته بالضبط هذه القبائل - الآرية السامية - التي اعتبرت أن الوجود الإنساني
الحق، ينحصر أول ما ينحصر في التضحية - الفداء والاستشهاد - غير المشروطة، وما أكثرها
وأبشعها عند تلك القبائل، التضحية غير المشروطة بكل بكري أو فاتح رحم. بل لعله من الصعب
تصور مدى التهام هؤلاء الأسلاف لأولادهم بالحرب والوأد والقتل والأغراض، من استجداء الحظ
والمطر، حتى أغراض تحديد النسل البدائي، وصراع الطعام.
1
فهذه القبائل التي حملت ونشرت تراثها الطوطمر، وخزعبلاتها عبر كل مداخل أوروبا، بدءا من
جنوبها، إلى غربها وشمالها، حتى هولندا والسويد؛ قد حملت بالطبع تراثها هذا الدامي، وأورد
فريزر حكاية أو خرافة عن ملك السويد الشيخ الذي أخبره عرافوه بأنه سيموت بموت آخر أولاده
التسعة، فكان يضحي بقتل ابن سنويا، إلى أن قتل أو هو اغتال آخر أبنائه التسعة، وبموته
مات الملك الشيخ، ودفن في «أبسالا» (وهي المدينة الشهيرة حتى أيامنا في السويد).
وهي حكاية عن قتل تسعة أبناء، تتطابق مع ما حدث لسالفه السامي العربي لقمان الحكيم مع
نسوره التسعة الذين كانوا بمثابة آلهته أو طواطمه، فهو لقمان ذي نسور، وكان يطلق على اليمن
- متضمنة الشام ولبنان وفلسطين - بلاد ذي نسور، فكانت أنسر لقمان في منزلة أبنائه كما يتضح
من أسمائهم: خلف - والمصون - وعوض - وآخرهم النسر لبد. وبموت آخر نسوره - لبد ذاك - مات
الحكيم لقمان.
والذين يموتون من مدى ثقل وخزعبلات هذا التراث السامي للشرق الأدنى القديم، الذي حمل إلى
أوروبا موجات إثر موجات، يمكنهم تعرف مدى هذا الثقل من آلاف المصادر الكلاسيكية العربية منذ
ابن الكلبي - هشام ومحمد - والطبري، والشهرستاني، وابن حجر، وابن وحشية الكلداني،