ملمحا تراثيا ساميا، مثلها مثل القدرية والدهرية والوعيدية، وعن طريقها كان علماء ما
قبل التاريخ - الحفريون - يتعرفون نوعياتهم الحضارية.
وعلى سبيل المثال، يصل تقديس الساميين لموتاهم - أو أسلافهم - إلى حد دفنهم معهم في
بيوتهم وسكناهم أو على مقربة منها، وذلك حتى يتسنى لهم تعرية وجوههم واستشارتهم في كل ما
يعن لهم من تصرفات مصيرية، كالحرب والهجرة والزواج وهكذا، وعن طريق هذه العادة بالطبع
يتعرفهم الحفريون، مثلما حدث بالنسبة لبعثة جامعة فيينا التي عملت في الدلتا حتى وقت قريب،
بحثا عن أصل الهكسوس، ورجحت أنهم خليط قبائلي سامي متحالف.
كما أن من سلبيات هذا التراث اضطهادات وقهر أطوار العمر بعضها لبعض على طول تاريخ العالم
القديم، وكيف كان «شيوخه» يتلذذون بمصمصة عظم الأطفال، وطبيعي وبالتالي اضطهاد المراهقة منذ
الصغر، ثم تجبر التراث عامة في طاعة الوالدين.
ولعل في احتفاظ اللغة بالمكونات الأسطورية لهذا النسق - أطوار العمر - في تسميات: جد وكهل
وبعل - زوج وأب - وعم؛ ما يغني عن الكثير؛ ذلك أنها كانت أسماء ونعوت لآلهة وأصنام وطواطم
سالفة في منزلة الأرباب، وهو ما يتضح أكثر بالنسبة لتراث الجزيرة العربية، وبالتحديد تراثها
الحفري منذ الألف الثالث قبل الميلاد.
ويمكن طرح مفارقة ملفتة بين ما يتملكنا عقائديا، وما يحدث في العالم من ثورة شبابية
مستقبلية، تفرض اليوم علما جديدا تماما عن خصائص ومكونات واحتياجات أطوار العمر المختلفة
من طفولة ومراهقة وشباب وشيخوخة يعرف بعلم الأجيال.
كما أن من إيجابيات هذا الاتجاه وهو إعادة تعرف أصول وخصائص تراثنا الفولكلوري، وفي اتجاه
عقلنته؛ إنهاء للاضطهادات العنصرية والدينية، التي تتحين فرص انطلاقها الدموي على رقعة
العالم العربي بين وقت وآخر معبرة عن مصالح وضغوط، تجيء عبر دورات متناسقة، وفي أوقات
الحروب والكوارث القومية، بل هي في ذاتها تشكل الكيان الكلي لمختلف أبنيتنا أو أنساقنا
البنائية، ودراسة مثل هذا النسق، لا يمكن أن تتم وتكتمل بمعزل عن دراسة بقية الأنساق التي
تؤلف البناء الاجتماعي بعامة.
وطبعا لا يمكن إنكار مدى ثقل ما يشكله هذا التراث الغيبي اللاعقلاني - كما عرفه د. فؤاد
زكريا - أو العاطفي - كما عرفه للمرة الأولى ماينوفسكي - من اضطهادات عصبية سامية تتمثل عند
اليهود، في شعب الله المختار، وعندنا في الاعتصام، واعتبارنا خير أمة أخرجت للناس كما هو
مكتوب بخطوط قبيحة عند مداخل مدن الدلتا بالذات، واللافتات الخطية لتزيين البيوت والقاعات،
ومنها قاعة اجتماعات الجامعة العربية.
ولعل في توارث هذا التراث في تكامله البنائي، المحكم التنسيق والدقة، والحافظ في المحل
الأول لمصالح الإرث والميراث والتوريث، يقابله من الجهة الأخرى تكامله المحكم التنسيق
البنائي مع مجاوره وهو التراث الآري - في الهند وإيران - وكلاهما واصل امتزاجه وسريانه أو
تدفقه إلى أوروبا والعالم الجديد مع موجات وفتوحات العرب واليهود فيما بعد، حاملا بذوره
القبلية الفاشية التي أباحت شريعة - أو شعيرة - الحرب والإغارة والقتال، دفاعا عن «التراث
الخالد» وما يحرسه من مصالح، بما يعيد إلى الأذهان بشكل مؤكد عصر الحروب الدينية التي تكونت
عبرها الدول والدويلات القومية، التي فيها تشكلت النظم الرأسمالية والتي كانت تعبيرا عن
تقلص وموت نظام هرم، والآلام المصاحبة لمولد نظام جديد، لحين مجيء عصر التنوير - القرن 18 -
وانحسار الكثير من هذا التراث الخالد، لكن دون أن يتخلى كلية عن مكوناته الفاشية الملازمة
للإغارة والحرب، كما سنها وأباحها بل فرضها التراث السامي، للحفاظ على كلا التركيبين السفلي
والعلوي أو المادي الطبقي والعلوي الثقافي العقائدي.
ولعل في شرعية الحرب القبائلية، والذود عن الحمى، في مرحلة العشائر المتحالفة والمهاجرة