وعلى سبيل المثال: فقد كان اكتشاف الجزء الثامن من كتاب «الإكليل» للعالم العربي الكبير
محمد الحسن بن يعقوب بن يوسف بن داود المشهور بالهمداني، والذي يصف فيه قلاع اليمن القديمة
وقصورها وجانبا كبيرا من حياتها الاجتماعية ومعتقداتها، وهو الكتاب الذي أجلى الكثير من
الغموض والذي «يتضمن محافد اليمن ومساندها ودفائنها وقصورها، ومراثي حمير والقبوريات»،
وكذلك اكتشاف الجزء العاشر من نفس الكتاب الذي يتحدث فيه الهمداني عن قبائل اليمن ومملكة
سبأ وحمير التي دان لها العالم أجمع منذ بداية الألف الثالثة قبل ميلاد المسيح.
هذا رغم أن أربعة أجزاء كاملة فقدت تماما من هذا المدون النادر؛ من بينها الجزء السابع
الذي تناول فيه الهمداني الأساطير والخوارق - والحكايات المستحيلة - لليمن الغابرة، وكذلك
جزؤه الثالث عن «فضائل قحطان».
وهذا يقودنا للحديث عما فقد من مدونات التراث الحضاري للعالم العربي النادرة،
1
من كتب «الإشارة في السحر» و«أسرار الكواكب» و«الحياة والموت» و«القرابين»
و«الأصنام» و«كتاب هرمس في النشر والتعاويذ والعزائم» و«نوادر جحا» و«نوادر ابن أحمر»
و«كتاب الفال لأهل فارس» و«حديث ابن الدكاني» وأغلب مؤلفات المدائني، وابن وحشية الكلداني -
وهو من ولد سنحاريب ملك آشور - وكتبه في السحر، ومساهب النبط أو الأنباط، ومذاهب
الكلدانيين، وكذلك كتب علي بن زين النصراني «في الآداب والأمثال على مذاهب الفرس والروم
والعرب»، كما فقدت أغلب كتب طالوت وصالح بن عبد القدوس وعلي بن ثابت وأبو عيسى الوراق وسهل
بن هارون وعلي بن داود، وشيلي - صاحب مذهب الشيليين - وتلميذه بابك بن بهرام وابن أشورى أو
شورى وغيرهم.
بل إن خزائن كتب ومكتبات بكاملها قد ضاعت وانقرضت تماما، وكان يمكن لهذه الكتب والمدونات
إلقاء بعض الضوء على ما انقطع من أحقاب تاريخية بكاملها أصبحت لدى الدارس الحديث مظلمة
مسدودة قاحلة.
منها على سبيل المثال: أخبار وأساطير القبائل العربية، التي يرجعها البعض إلى ما قبل
الألف الثالثة قبل الميلاد، والتي بيدت دون أثر ولم تخلف ما يدل على تراثها وملحمها، مثل
قبائل عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم وغيرهم من القبائل التي مضت من الوجود وانتهت بكامل
أسمائها وأنسابها، وتعارف عليها باسم العرب البائدة، أو الغابرة، أو العاربة.
وعلى هذا تعارف المؤرخون والنساب على بقايا القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية
باسم العرب «الباقية» أو المتعربة، أي عرب الجاهلية الأولى والثانية.
وقسموهم إلى قسمين: شماليين أو عدنانيين أو إسماعيليين - في نجد والحجاز - وجنوبيين هم
القحطانيون، نسبة إلى قحطان - أبو اليمن - وهو قحطان بن عابر أو النبي هود أبو الملوك
اليمنيين ملوك دول سبأ وحمير ومعين، والدولة الأخيرة امتد سلطانها حتى شواطئ البحر الأبيض
المتوسط والخليج العربي وبحر العرب، إلى جانب استيلائها على جميع مناطق شبه الجزيرة
العربية.
يقول ابن خلدون في تاريخه عن ملوك حمير:
كانت الدولة والملك في بني قحطان متصلة من يعرب بن قحطان، وكان من أعالم ملوك
اليمن، ثم تسلسل الملك إلى سبأ بن يشجب بن يعرب، ثم في دولة كهلان وحمير، ثم
أولادهما.
وقبل التعرض بتفصيل عن ممالك سبأ وحمير، وما خلفته حضارتهما في تراثنا الشفهي المعاش
اليوم، نعود إلى استكمال ما بدأناه عن مشاكل الدراسة شبه الدقيقة لتراث هذه الشعوب السامية
التي اتفق علماء اللغات - الأثنولوجي - على تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
يعرف أولها بالقسم الشرقي أو البابلي الآشوري في العراق.
والثاني يعرف بالقسم الغربي أو الكنعاني أو الآرامي في الشام
وفلسطين.
ويعرف الثالث بالقسم الجنوبي أو الغربي في الحجاز واليمن.
وقد اتفق اللغويون أو المستشرقون، نظرا لظروف جغرافية واجتماعية وتطور طبيعي، على إعادة