تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي مقدور مثل هذه الدراسات الجديدة الشابة، تلك التي تستهدف أول ما تستهدف إرساء أكبر

قدر من التسامح القائم على الفهم، كما يقول أحد روادها الأوائل - سير جيمس فريزر - في نهاية

موسوعته المعروفة بالغصن الذهبي البالغة 14 مجلدا.

في مقدور الدراسات الموضوعية البعيدة عن محاولات نطح جدران التعصب؛ أن تعيد إرساء وتشكيل

معالم تاريخ جلي واضح لحضارات شرقنا العربي، الموغلة في العراقة.

على أن هذا التاريخ الثقافي أو الفكر سيكون مرتبطا أشد الارتباط وأوثقه بحركة جماهير

شعوب منطقتنا العربية أو السامية، وصراعاتها المستهدفة للتوحد والتجانس.

ومفهوم طبعا أن مثل هذه العلوم الإنسانية قطعت مرحلة كبيرة من الرصد والجمع والتصنيف على

مستوى العالم أجمع، وتوصلت إلى نتائج علمية وصلت إلى حد استخدام الأجهزة التكنولوجية؛ من

عقول إليكترونية وآلات حاسبة، ومناهج رياضية، فأصبح هناك اليوم عقول إليكترونية متخصصة؛ في

أفرع الفولكلور والأساطير المختلفة عقل إليكتروني متخصص في حكايات الحيوان، وآخر للزواحف،

وثالث لخرافات الجان، ورابع للحشرات والهوام والنبات، وهكذا، وهو ما ينجز بتوسع في دول شمال

أوروبا، وفرنسا وأيرلندا.

وما أحوجنا اليوم إلى الاستفادة من حركات «عقلنة» التراث التي تجري من حولنا بهدف مضاعفة

التنمية؛ من مادية، وبشرية، وعقلية.

كما أنه ما أحوجنا - هنا في مصر - إلى قيادة حركة تنوير حقيقية ذات جذور، تبعث بإشعاعاتها

على طول منطقتنا العربية وتسهم بشكل علمي حقيقي في شعارات إعادة بناء الطاقات العقلية

للإنسان المصري والعربي، استجابة لشعارات الدولة العلمانية، وإعادة بناء الإنسان الاشتراكي

المصري الصاعد.

وكم سيكون مفجعا أن تكتشف الأجيال القادمة مدى سيطرة الخرافات على العلم، ومدى تعنت

الأساطير وجبروتها في الدفع والتحكم في حركة التاريخ، كما يقول فريزر.

شوقي عبد الحكيم

الفصل الأول

| مشاكل التراث العربي السامي

من المؤكد أن عديدا من المشاكل تعترض الباحث في تتبع أصول أساطير وفولكلور هذه المنطقة

التي نتنفس أحداثها، وهي منطقة الشرق الأدنى أو الأوسط، خلال الزمان والمكان، ومرجع هذه

المشاكل عدة عوامل أو صعوبات؛ أولها: قلة الجهود التي بذلت في هذا الحقل البكر، سواء منها

ما يتصل بالبحث في المصادر الأولى أو المصادر الأم من وثائق ومدونات حفرية ونصية؛ أي ما

أوضحته الكشوف الحفرية أو المسمارية للآثار العراقية وحضارتها المتعاقبة، من سومرية - لا

سامية - إلى البابلية والأكادية والآشورية، وما أوضحته الحضارات القبائلية في الجزيرة

العربية، بقسميها الشمالي العدناني البدوي - في السعودية اليوم - والجنوبية القحطانية

الحميرية الزراعية - في اليمن والجنوب العربي، وما أوضحته الكشوف الحفرية للحضارة الكنعانية

الفينيقية وطليعتها البحرية في لبنان وفلسطين، بالإضافة إلى ما ضاع وانقرض من مدونات نصية -

غير حفرية - التي وردت في شكل نصوص مدونة في الكتابات المبكرة في كتب الكلدانيين والآراميين

واليهود والسريان والأنباط والحرانيين، والتي منها انحدرت فرق ونحل الملل المنقرضة مثل

الدهرية والصابئة والثنوية والديصانية والمجوسية والنشابة، والمئات غيرهم، هذا بالإضافة إلى

المئات من كتب ومؤلفات العلماء والكتاب والرواة من العرب وغير العرب؛ مثل وهب بن منبه،

والألوسي، وعبيد بن شريه الجرهمي، وكعب الأحبار، ومحمد بن إسحاق، والدميري، والأزرقي،

والبلخي، والقزويني، والهمداني، والساجستاني، وابن وحشية الكلداني، والطبري، وابن قتيبة،

وابن النديم، وابن كمونة ... وهكذا.

وكتابات هؤلاء أصبحت اليوم مصادر شديدة الأهمية بالنسبة لدارسي حضارات وأساطير الشرق

الأدنى القديم، تجيء أهميتها مباشرة بعد المدونات التاريخية الأركيولوجية.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٨