تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مساسه، بل ومجرد مناقشته وإخضاعه للحتميات العلمية والحياتية التي نعيشها، وإلا وجب علينا

أن نتفق، فهم - بحق - دعاة جمود.

فتغير الحياة وميكانيتها الجديدة في نقل الصور، يحدث بالقطع تغيراته بالنسبة لأدوات

الاتصال جمعاء، وأخصها اللغة. وكما يقول عالم اللغويات ستيوارت فليكسنر كبير المشرفين على

إعداد معجم - قاموس - راندوم هاوس للغة الإنكليزية، فإن الكلمات التي نستخدمها تتغير اليوم

بسرعة أكبر ليس فقط بالنسبة للعامية، لكن بالنسبة لكل مستويات استخدام اللغة، وإن السرعة

التي أصبحت تظهر بها الكلمات وتختفي قد تزايدت بشكل حاد، وما يصدق على اللغة الإنكليزية في

هذا الشأن يصدق أيضا على الفرنسية والروسية واليابانية، وبالطبع العربية.

ويرى فليكستر أن وليام شكسبير قد يبدو أميا اليوم، فعلى أيامه لم يكن عدد كلمات اللغة

المفهومة يتعدى 250000 كلمة، أما اليوم فالعدد يصل إلى 450000 كلمة. فبالنسبة إلى

الإنكليزية استبدل حوالي 200 ألف كلمة وربما أضعاف هذا العدد، على مدى القرون الأربعة

المنصرمة، بل واستنادا إلى آراء هذا اللغوي الكبير، فإن معدل التغيير داخل اللغة وتواصلها

قد وصل إلى معدلات هائلة حقا، منذ ما بعد الحرب العظمى الأولى 1914 وذلك نتيجة لثورة

المواصلات، وأخصها الراديو والتليفزيون.

بل إن التغيير لحق حتى مدلولات اللغة، فأصبحت كلمة «أسود» المهينة تعني القوة السوداء،

بالإضافة إلى استخدامات الكلمات الخنافس، والضفادع، والجاموس البري، والثعالب، والكلاب

السخنة وهكذا، ومما تستحدثه فرق الجاز والروك ومسارح الشوارع وغيرها، وتسجله أسطواناتها من

كلمات كانت تعد خارجة أو ممجوجة لتصبح على الفور كلمات مشهورة جدا.

والملفت أن مثل هذا التغيير الموازي للسرعة الإلكترونية لا يلحقنا هنا في مصر والعالم

العربي بشكل كاف.

كيف؟

فاللغة عندنا، ما تزال إلى أيامنا هذه مكبلة بالأساطير وأبنيتها اللغوية والأساطير تحكم

حياتنا.

وكما تقول الآنسة لينا ماكليد، فإن آفة اللغة هي الأساطير.

وهناك مدرسة كاملة تعرف منذ منتصف القرن الماضي بالمدرسة الميثولوجية لدراسة الفولكلور،

أو لاتخاذ الفولكلور - برمته - مجرد خلفية للتبحر في الأساطير، وذلك منذ يعقوب جريم ومن سار

في فلكه من الدارسين الألمان، منهم مانهاردت وشفارتز والبيرت كون، وأعلاهم باعا هنا هو

الألماني الأصل الإنكليزي المعرفة والثقافة ماكس موللر.

ووصل بالبرت كون في استخدامه لهذا المنهج إلى حد بناء نظريته بكاملها (1812-1881) التي

اكتملت في كتابه «أصل النار وشراب الآلهة» كعالم لغوي في كلا الألمانية والسنسكريتية،

شارحا أسطورة بروميثيوس اليونانية، وصلته بالكلمة أو الاسم السنسكريتي براماتياس.

وعندما تقدم بكون السن، وضع كتابه عن «مراحل نمو الأساطير» أو مراحل تطور تكوين الأساطير

لغويا.

وسار على نفس الدرب رواد هذه المدرسة اللغوية الميثولوجية عن الأصول - اللغوية -

للأساطير، والميثولوجيا الدينية بعامة، مثل شفارتز، ورأس منتصف القرن الماضي ماكس موللر، في

محاضراته في علم اللغة، والأساطير المقارنة، وهو في نظريته عن الأصل اللغوي للأساطير، وسماه

بعلة اللغة ومرضها من كنايات ومترادفات واستعارات ومتشابهات ... إلخ.

وطبعا لا حاجة هنا إلى شرح لوغاريتمات وطلاسم لغتنا الجميلة - العربية - من نصب ورفع

ومطلق، وكل ما يتصل بإعرابها نسبة إلى يعرب أبو العرب الساميين، وينسب له أنه أول من تكلم

العربية وكان من فحول اللغويين الطبقيين المتبحرين في الإعراب، فهو القائل: «وليس جمع خيرا

من جمع ولكن جد خير من جد.»

وكما يقول العالم الأنثروبولوجي الروسي الأصل برونسلاف مالينوفسكي (كركوف 1884، نيوهافن

1042) فإن اللغة - أية لغة - لا تلعب فقط دور الحارس أو الحامي للأسطورة، بل إن اللغة هي في

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٨٦