الضغوط - الفوقية - والممنوعات أو التابوات، ممثلة في الموقف الرافض المضاد للعرف - المثالي
أو العاطفي - للمجتمع المغلق.
وبالنسبة لتابوات اللغة، فكما يقول مالينوفسكي،
1
فإن اللغة - أية لغة - لا تلعب فقط دور الحارس والحامي للأسطورة والأديان
بعامة، بل إن اللغة في حد ذاتها لعبة الحكم والحافظ الأمين على الأوضاع الطبقية
والاجتماعية.
ويذكرنا هذا على الفور بمدى سيطرة عائلة اللغات السامية، التي انتهت اليوم في العربية -
الفصحى - والعبرية، وكيف أنهما ما زالتا إلى اليوم مكبلتين أو هما حارستين للتراث أو
الأساطير، أو الوهم كما يسميه كافكا.
كما أن هذا يذكرنا بمدى اكتمال اللغات السامية في الفصحى، واتساع رقعتها، لدرجة أنهت بها،
أو هي اكتملت فيها مجموع الحضارات السامية.
وقد يكون في تابوات الفصحى ومنمنماتها اللغوية ما يحفظ إلى اليوم إضفاء صفتي القداسة
ومعاكسها من نجاسة وشؤم، على الجهات الأربع الأصلية، والتي في أدنى صورها ما هي إلا أربعة
أركان التابوت - العهد - وملائكة العرش الأربعين المكلفين بالخلق والموت والقيامة والرسالة،
وهو ما يتواتر إلى اليوم في الموروث الشعبي، بالأقطاب الأربعة، وهم: قطب الغوث، والبلاوي،
والرجال، والمتولي.
ويصل الأمر إلى إضفاء شطري التابو من مباح ومحظور على بقية أضلاع - المكعب - من ارتباط
أسفله بالسفالة أو الواطئ الواطي، وأعلاه، كما يعلو الهامة والرفعة - من ارتفاع - مرادف
السمو، والتسامي أو السامي، بما قد يذكرنا بتسمية الساميين - سمو وسماء - من عرب
وعبريين.
بل إن أخطار التابو - اللغوي - على التنمية من بشرية أو عقلية أو حضارية، تصل إلى حد
اعتبار طريقة أو أسلوب نطق الكلمات ومقاطع الحروف في اتجاه الحفاظ على اللهجات المحلية، أو
لنقل المغرقة في المحلية إلى حد اعتبار كل قرية أو كفر أو عزبة أو أدنى أشكالها تجمع سكاني
له لهجته وتعابيره الخاصة به، الحافظة له أدنى أصوله وجذوره الطوطمية.
ومن هنا يكون التابو كعيب أو شيء معيب أو ممنوع دوره الحافظ، المتسق الإخلاص مع المجتمع
المحلي القبلي التعصبي، حتى في حفاظه على لهجته، وإيقاعاته اللغوية، مثل عدة نطق نهايات
الكلمات في بني سويف مثل: عايزا، ومنا، ويا، بدلا من ياه، أو طريقة قلب حرف الياء إلى ألف
في واحة إقليم الفيوم المتاخمة ، مثل قول: «عايز آه»، و«فا» و«مناه»، بدلا من «عايز إيه»،
و«فين»، و«منين» ... إلخ.
وعلى هذا يصبح عيبا وتابو مثلا لمواطني بني سويف وقراها النطق على الطريقة المعتادة في
تأكيد نهايات الكلمات، كما يرى نفس العيب على قرويي الفيوم حين يتساءل قائلا: «ليه؟» بدلا
من «لا»، وهكذا، بل إن تابو الحفاظ على - عادة - اللهجة، يصل إلى حد إدانة كلمة حضارة أو
الحضور، فحين يقدم متحدث مثلا على تغيير طريقة نمطه، قد يخجله آخر على الفور قائلا: «إنت
بتتكلم زي الحضور»، أو«عاملي «حضري».»
ومن هنا فالحضري أو المتحضر أقرب إلى الرفض خاصة في مصر الوسطى، وقد يقول له سائله
ساخرا: إنت بيتهلي. ويبدو أن أصل كلمة «تيهلي» متواترة من «توهني» بمعنى التيه
والتوهان.
فالحضري أو التحضر غير مستحب، أو هو أنموذج لا يصح التمثل به، وتحفل الحواديت والحكايات
والأمثال بآلاف النماذج مثل «من نسى قديمه تاه».
وفي قصص الشطار وخرافات الجان، عادة ما يأخذ ابن زوجة «الملك» الحضرية أو المتحضرة، جانب
الخصم الظالم المعتدي، بل هو يقف في صف أبناء الظلام والشر، في مواجهة بطل الحدوتة -
الموعود - أو المكشوف عنه الحجاب، المضطهد ابن الزوجة الفلاحة، أو البدوية، ابن النور
المنتصر.
وطبعا واصل مثل هذا الموروث، المدعم بسلطة العادة والتابو، نموه داخل عديد من أنظمتنا
الثقافية، كأفلام السينما، ودراما الراديو الرخيصة، منذ «زينب» حتى الليلتان، «ليلى بنت