تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاختلاف والتناقض.

فمعظم السير والملاحم والقصص الشعرية الطقوسية التي يجمعها جامع ودارس الفولكلور في

مصر؛ يمكن أن يعثر على متنوعاتها زميله التونسي والعراقي والليبي في بلاده؛ مثل: سيف بن ذي

يزن، وسيرة الهلالية أو بني هلال، وسير وملاحم التباعنة - جمع تبع - ومثل الزير سالم،

وعزيزة ويونس، ويوسف وزليخة، وسارة وهاجر، والقميص - قميص النبي محمد، وزرقاء اليمامة،

وبرافشن، وعلي الزيبق، والأمثرة ذات الهمة.

وكذا كل ما يتناقل شفاهيا عن قصص وحكايات الخلق والسقوط والطوفان واغتيال الأخ لأخيه،

وكل ما يتصل بولادة وتربية الأنبياء الموعودين: إبراهيم، ويوسف، وموسى، وداود، وإدريس،

ويونس، والخضر، وشعيب. أي يمكن الحصول على مترادفات وتنويعات هذه الأساطير والملاحم والقصص

والبالاد والخرافات على طول العالم العربي.

كما أن من المفيد معرفة أن معظم هذه السير والملاحم والقصص الطقوسية هي في حقيقتها أشلاء

أحداث تاريخية ومناسبات أريد بها الحفظ والتذكير، كأعياد العيد الكبير والصغير وعاشوراء،

والجمعة الحزينة، وبئر زمزم، وشم النسيم، وعديد من المناسبات التقويمية.

فهذه الملاحم والأناشيد الروائية ينظر إليها كمدونات تاريخية «وهكذا دخلت في المؤرخات

الأولى عناصر الملحمة والقصة الشعبية» كما يقول عالم ما قبل التاريخ جوردن تشايلد،

4 «بل إن الرواية الأدبية التقليدية العربية استفادت من الرواية الدينية

والتاريخية، وما اصطنعته من ضوابط»،

5

كما يقول الدكتور عبد الحميد يونس.

ولعل المشكلة الرئيسية التي واجهتني في محاولة عمل إلمامة سريعة لتاريخ منطقتنا هذه التي

نعيش أحداثها العنيفة المتجددة؛ تبلورت في غياب وجود تتابع تاريخي واضح إلى حد، أو هو

متواز مع تاريخ الشعب المصري أو العراقي القديم.

من ذلك افتقاد شبه الجزيرة العربية لتاريخها المبكر السابق على مجيء الإسلام، وهي الفترة

التي يطلق عليها اعتباطا بالجاهلية، وإن كانت - هذه الجاهلية - تزدهر بالعديد من النشاطات

الإبداعية الحضارية المرصودة أركيولوجيا أو علميا، تصل إلى قرابة 4 آلاف عام قبل

الميلاد. وللجنوب العربي في اليمن ودول الخليج حضارته وتراثه الأسطوري والعقلي - الموغل في

القدم والعراقة.

وليكن واضحا أنني لا أكتب تاريخا بقدر ما أنا أبحث عنه محاولا استخدامه لإرساء ضوابط

ومحكات تراثية أو حضارية على قوائمها يمكن إرساء معالم تتابع تراثي، عصرا إثر عصر، أو

جيلا إثر جيل، إن شابه شيئا فهو أقرب إلى تتابع الصخور الرسوبية بعضها فوق بعض.

فكما هو مفهوم يصبح الفولكلور بلا قيمة تذكر ما لم يتحدد تاريخه ومنبته الجغرافي،

ومجراته، وما طرأ عليه من تغييرات خلال الزمان والمكان.

وعلى هذا أدت المناهج البنائية، التي موجزها تكاتف مجموعة علوم ذات أهداف ومستويات

استراتيجية، في الكشف عن ظاهرة أو مجموعة ظواهر.

وبهذا أصبح لا غناء لعلمي الأساطير والفولكلور عن علمي التاريخ وما قبل التاريخ.

كما أصبح في مقدور علم الفولكلور إعادة إنارة وتوضيح المدونات التاريخية وإعادة ضبطها

وتحريكها من أقدم مواقعها.

فما من إضافة كشفية أركيولوجية أو حفرية لم تسهم بشكل إيجابي في إعادة توضيح وتكامل

جزئيات هذا التراث الهائل لشرقنا الأوسط، الذي وهب العالم أديانه الثلاثة الكبرى: اليهودية،

والمسيحية، والإسلامية.

وما من إضافة - مدونة كانت أو شفاهية - لم يترتب عليها دوام الهدف المستهدف - أصلا -

لتوالي البناء واستقامته.

وعلى هذا فالعلاقة وثيقة بين التاريخ وبين التراث الأسطوري والفولكلوري، أو بين

الأنثوجرافيا وبين الأنثروبولوجيا الاجتماعية.

ويمكن اعتبار الدراسات الفولكلورية محتوية - أو متضمنة - الأساطير، أحد المركبات الهامة

اليوم، في إعادة بناء تاريخ الجسد الحضاري لأي شعب أو مجموعة من الشعوب.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربيةص ٧