حياته، وهو في مجمله مليء بالأخطار والمخاوف، فالخطر الذي يواجه به الآخرين قد تغلفه
وتتملكه الروحانيات والأشباح، ومن هنا تتدخل التخيلات، فالخطر على أية حال لا يقل عن الواقع
إذ إنه واقع يغذيه التخيل، والخيال - على أية حال - بالنسبة للإنسان له نفس الدور الجذاب
الذي يلعبه الواقع.
وتغرق بحار التابوات وقنواتها مجمل حياتنا اليومية بشقيها الصاحي والنائم، فلكل حركة
وكلمة وفعل تابواته ومحرماته.
للبدء تابواته وللنهاية، وهو ما تزايد خطره واستفحل إلى أن وصل في السنوات الأخيرة إلى حد
طبع به مجمل حياتنا وعلاقاتنا على المستوى المدني والرسمي، فأصبحت تعويذاته تتصور الخطب
والتقارير اليومية والوشايات، والشكاوى، وطلب الحاجات.
ومن هنا تفجرت شرايينه ونفذت دون سدود أو حدود إلى أجهزة الدولة وأنشطتها المختلفة، حتى
أنشطة الإعلام الداخلي والخارجي.
فالبداية - أية بداية منذ الكلام والفعل والكتابة حتى الولادة - محرماتها
وتابواتها.
وللنهاية - أية نهاية سواء أكانت وصولا أو تذييل خطاب أو نص أو أكل أو وفاة - طقوسها
ومحرماتها، وممنوعاتها.
ومن هنا أصبحت تنقسم حياتنا هذه المعاصرة إلى مباح ومحظور، أو حلال وحرام، وإذا ما عرفنا
أن المباح والممنوع أو المحلل والحرام، قد مر بمرحلة طويلة من الدراسة والاجتهادات العلمية
للتعرف على الكيفية التي قسم بها العالم القديم الحياة في لاشعوري تشكل بمقتضاه الذهن
البدائي والغيبي وما يزال يواصل سريانه داخل مختلف المجتمعات، من متحضرة ونامية، خاصة
مجتمعنا العربي، سالفه ومعاصره.
فكلمة تابو كلمة بولونزية تعني الممنوع أو «ذلك الذي لا» تعرف عليها المبشرون والرحالة
والمستكشفون الأوروبيون منذ أواخر القرن 17 خاصة كابتن كوك، تتردد بكثرة شديدة، بنفس الكثرة
التي يسمع بها الزائر الأوروبي لمصر كلمة «بقشيش»، وهي تنطبق في بعض هذه الجزر مثل تاهيتي
تافو
Taboo
وبطريقة أقرب إلى تعبير «تفو» المتداولة في
لغتنا تعبيرا عن الرفض والقرف.
ويؤكد التقارب اللغوي الاشتقاقي بين تابو وتفو تعريف د. مارجريت ميد للتابو في دائرة
معارف العلوم الاجتماعية: من أنه تعبير يشير إلى الموقف السالف.
ومنذ ذلك التاريخ دخلت هذه الكلمة إلى اللغات الأوروبية، فاستخدمها كتاب عصر التنوير
أو القرن 18 ومنهم جان جاك روسو.
إلى أن شغلت كلمة تابو فيما بعد عديدا من المشتغلين بالعلوم الاجتماعية أو الإنسانيات
زمنا طويلا، وهل المقصود بالتابو هو إتيان أفعال مباحة أو مقدسة، والإقلاع والامتناع عن
أفعال أخرى محرمة أو ممنوعة، مثل لمس أشياء أو الذهاب إلى أماكن بعينها، أو حتى مجرد النظر
أو الشم أو السمع إلى أشياء أو وجهات أو منازعات أو حروب بعينها.
واللافت أن مكتشفي القرن 17 للعالم خارج الغرب، مثل كوك وغيره، قد تحرجوا في المطابقة بين
التابو وبين المقدس، وذلك لملاحظتهم أن النظام الذي يحدده التابو يتصل بمعاملات وممارسات
الرجل ابتداء من الجنس، حتى عادات الولادة وتربية الأطفال، والحروب، وعادات الطعام، كان لا
يسمح لشخصين بالأكل معا على مائدة واحدة، وكذلك لا يسمح للمرأة مشاركة الرجل طعامه، بنفس
ما كان يحدث داخل مجتمعاتنا اليوم إلى أيامنا هذه.
والملفت هنا أن تحريم أكل المرأة مع الرجل عندنا، على اعتبار أن المرأة - هنا في بلدنا -
ككل كامل ما هي إلا حريم أو حرام أو حرمة أو محرمة - وهو ما يطلق على طريقة أخذ الوش
والبكارة.
عدم مشاركة المرأة الرجل الطعام، بل والكثير من الأفعال، محرمة كما سبق أن أوضحنا؛ أنها
مدانة وأقل منزلة منه، كما يتبدى في أساطير الخلق والخطيئة والسقوط والسامية، وهو على عكس
وضع المرأة في تلك المجتمعات البولونزية، التي فيها تحتل المرأة وضعا أعلى منزلة من الرجل،
بحسب ما تشير به أساطيرهم وتقويماتهم الأمومية إلى اليوم.